تفسير كلمة أَنبِئُونِي من سورة البقرة آية رقم 31


وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31}

أخبروني


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "نبأ"

[النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولتضمن النبإ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا] (ما بين [ ] نقله البغدادي في الخزانة حرفيا 1/270). قال الله تعالى: قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون [ص/67 - 68]، وقال: عم يتساءلون * عن النبإ العظيم [النبأ/1 - 2]، ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم [التغابن/5]، وقال: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك [هود/49]، وقال: تلك القرى نقص عليك من أنبائها [الأعراف/101]، وقال: ذلك من أنباء القرى نقصه عليك [هود/100]، وقوله: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات/ 6] فتنبيه أنه إذا كان الخبر شيئا عظيما له قدر فحقه أن يتوقف فيه؛ وإن علم وغلب صحته على الظن حتى يعاد النظر فيه، ويتبين فضل تبين، يقال: نبأته وأنبأته. قال تعالى: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [البقرة/31]، وقال: أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم باسمائهم [البقرة/33]، وقال: نبأتكما بتأويله [يوسف/37]، ونبئهم عن ضيف إبراهيم [الحجر/ 51]، وقال: أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض [يونس/ 18]، قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم [الرعد/33]، وقال: نبئوني بعلم إن كنتم صادقين [الأنعام/143]، قد نبأنا الله من أخباركم [التوبة/94]. ونبأته أبلغ من أنبأته، فلننبئن الذين كفروا [فصلت/50]، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [القيامة/13] ويدل على ذلك قوله: فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير [التحريم/3] ولم يقل: أنبأني، بل عدل إلى (نبأ) الذي هو أبلغ تنبيها على تحقيقه وكونه من قبل الله. وكذا قوله: قد نبأنا الله من أخباركم [التوبة/94]، فينبئكم بما كنتم تعملون [المائدة/105] والنبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم. والنبي لكونه منبئا بما تسكن إليه العقول الذكية، وهو يصح أن يكون فعيلا بمعنى فاعل لقوله تعالى: نبئ عبادي [الحجر/49]، قل أونبئكم [آل عمران/15]، وأن يكون بمعنى المفعول لقوله: نبأني العليم الخبير [التحريم/3]. وتنبأ فلان: ادعى النبوة، وكان من حق لفظه في وضع اللغة أن يصح استعماله في النبي إذ هو مطاوع نبأ، كقوله زينه فتزين، وحلاه فتحلى، وجمله فتجمل، لكن لما تعورف فيمن يدعي النبوة كذبا جنب استعماله في المحق، ولم يستعمل إلا في المتقول في دعواه. كقولك: تنبأ مسيلمة، ويقال في تصغير نبيء: مسيلمة نبييء سوء، تنبيها أن أخباره ليست من أخبار الله تعالى، كما قال رجل سمع كلامه: والله ما خرج هذا الكلام من إل (ذكر أبو بكر الباقلاني أن أبا بكر الصديق سأل أقواما قدموا عليه من بني حنيفة عن هذه الألفاظ - أي: ألفاظ مسيلمة - فحكوا بعضها، فقال أبو بكر: سبحان الله! ويحكم، إن هذا الكلام لم يخرج عن إل، فأين كان يذهب بكم. راجع: إعجاز القرآن ص 157) أي: الله. والنبأة الصوت الخفي. نبي: النبي بغير همز، فقد قال النحويون: أصله الهمز فترك همزه، واستدلوا بقولهم: مسيلمة نبييء سوء. وقال بعض العلماء: هو من النبوة، أي: الرفعة (انظر: اللسان (نبأ) ؛ والحجة في القراءات للفارسي 2/90؛ والقول البديع ص 29)، وسمي نبيا لرفعه محله عن سائر الناس المدلول عليه بقوله: ورفعناه مكانا عليا [مريم/57]. فالنبي بغير الهمز أبلع من النبيء بالهمز؛ لأنه ليس كل منبإ رفيع القدر والمحل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لمن قال: يا نبيء الله فقال: (لست بنبيء الله ولكن نبي الله) (الحديث عن أبي ذر قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لست بنبيء الله، ولكني نبي الله) أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي وقال: بل منكر لم يصح، وفيه حمران بن أعين ليس بثقة، وهو واه. انظر: المستدرك 2/231. وقال ابن عمر: ما همز رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم) لما رأى أن الرجل خاطبة بالهمز ليغض منه. والنبوة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نبا بفلان مكانه، كقولهم: قض عليه مضجعة، ونبا السيف عن الضريبة: إذا ارتد عنه ولم يمض فيه، ونبا بصره عن كذا تشبيها بذلك.


تصفح سورة البقرة كاملة