تفسير كلمة أُوحِيَ من سورة طه آية رقم 48


إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى {48}

أُوحِيَ إِلَيْنا: بُلِّغْنا بواسِطةِ الوحي


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "وحي"

أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: فخرج على قومه من الحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [مريم/11] فقد قيل: رمز. وقيل: أشار، وقيل: كتب، وعلى هذه الوجوه قوله: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [الأنعام/112]، وقوله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم [الأنعام/121] فذلك بالوسواس المشار إليه بقوله: من شر الوسواس الخناس [الناس/4]، وبقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن للشيطان لمة) (الحديث تقدم في مادة (لهم) ). ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه. وحي، وذلك أضرب حسبما دل عليه قوله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إلى قوله: بإذنه ما يشاء [الشورى/ 51] ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) وذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته ويسمع كلامه، كتبليغ جبريل عليه السلام للنبي في صورة معينة؛ وإما بسماع كلام من غير معاينة كسماع موسى كلام الله؛ وإما بإلقاء في الروع كما ذكر عليه الصلاة والسلام: (إن روح القدس نفث في روعي) (الحديث تقدم في مادة (لهم) ) ؛ وإما بإلهام نحو: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه [القصص /7] ؛ وإما بتسخير نحو قوله: وأوحى ربك إلى النحل [النحل/68] أو بمنام كما قال عليه الصلاة والسلام: (انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن) (الحديث تقدم في مادة (بشر) ) فالإلهام والتسخير والمنام دل عليه قوله: إلا وحيا [الشورى/51] وسماع الكلام معاينة دل عليه قوله: أو من وراء حجاب [الشورى/51]، وتبليغ جبريل في صورة معينة دل عليه قوله: أو يرسل رسولا فيوحي [الشورى/51]، وقوله: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء [الأنعام/93] فذلك لمن يدعي شيئا من أنواع ما ذكرناه من الوحي أي نوع ادعاه من غير أن حصل له، وقوله: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه الآية [الأنبياء/25]. فهذا الوحي هو عام في جميع أنواعه، وذلك أن معرفة وحدانية الله تعالى، ومعرفة وجوب عبادته ليست مقصورة على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل، بل يعرف ذلك بالعقل والإلهام كما يعرف بالسمع. فإذا القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية الله ووجوب عبادته، وقوله تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين [المائدة/111] فذلك وحي بوساطة عيسى عليه السلام، وقوله: وأوحينا إليهم فعل الخيرات [الأنبياء/73] فذلك وحي إلى الأمم بوساطة الأنبياء. ومن الوحي المختص بالنبي عليه الصلاة والسلام: اتبع ما أوحي إليك من ربك [يونس/ 109]، إن أتبع إلا ما يوحي إلي [يونس/15]، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي [الكهف/110]. وقوله: وأوحينا إلى موسى وأخيه [يونس/87] فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل، ووحيه تعالى إلى هرون بوساطة جبريل وموسى، وقوله: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم [الأنفال/12] فذلك وحي إليهم بوساطة اللوح والقلم فيما قيل، وقوله: وأوحى في كل سماء أمرها [فصلت/12] فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط فالموحى إليهم محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة؛ لأن أهل السماء هم الملائكة؛ ويكون كقوله: إذ يوحي ربك إلى الملائكة [الأنفال/12] وإن كان الموحى إليه هي السموات فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حي، ونطق عند من جعله حيا، وقوله: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة/5]، فقريب من الأول وقوله: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه [طه/114] فحث على التثبيت في السماع، وعلى ترك الاستعجال في تلقيه وتلقنه.


تصفح سورة طه كاملة