تفسير كلمة اسْجُدُواْ من سورة البقرة آية رقم 34


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34}

ضَعُوا جِباهَكُمْ عَلى الأرْضِ ساجدين سجود تحية وتعظيم

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "سجد"

السجود أصله: التطامن (التطامن: الانحناء) والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، نحو قوله: فاسجدوا لله واعبدوا [النجم/62]، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنبات، وعلى ذلك قوله: ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد/ 15]، وقوله: يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله [النحل/48]، فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله: ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون [النحل/49]، ينطوي على النوعين من السجود، التسخير والاختيار، وقوله: والنجم والشجر يسجدان [الرحمن/6]، فذلك على سبيل التسخير، وقوله: اسجدوا لآدم [البقرة/34]، قيل: أمروا بأن يتخذوه قبلة، وقيل: أمروا بالتذلل له، والقيام بمصالحه، ومصالح أولاده، فائتمروا إلا إبليس، وقوله: ادخلوا الباب سجدا [النساء/154]، أي: متذللين منقادين، وخص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن، وسجود الشكر، وقد يعبر به عن الصلاة بقوله: وأدبار السجود [ق/40]، أي: أدبار الصلاة، ويسمون صلاة الضحى: سبحة الضحى، وسجود الضحى، وسبح بحمد ربك [طه/130] قيل: أريد به الصلاة (أخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس في الآية قال: هي الصلاة المكتوبة)، والمسجد: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود، وقوله: وأن المساجد لله [الجن/18]، قيل: عني به الأرض، إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتح خزائن الأرض فتلت في يدي) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام 13/209؛ وانظر: شرح السنة 13/198)، وقيل: المساجد: مواضع السجود : الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان، وقوله: ألا يسجدوا لله [النمل/25] (هي بتخفيف ألا، على أنها للاستفتاح، وبها قرأ الكسائي ورويس وأبو جعفر. الإتحاف 336) أي: يا قوم اسجدوا، وقوله: وخروا له سجدا [يوسف/100]، أي: متذللين، وقيل: كان السجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغا، وقل الشاعر: - 226 - وافى بها لدراهم الإسجاد (هذا عجز بيت، وشطره: من خمر ذي نطف أغن منطق وهو للأسود بن يعفر، والبيت في المفضليات ص 218؛ والمجمل 2/486) عنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له.