تفسير كلمة الْحَقُّ من سورة البقرة آية رقم 109


وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {109}

العَقيدَةُ الثَّابِتَةُ الصَّحِيحَةُ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "حقق"

أصل الحق: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه (هي عقب الباب) لدورانه على استقامة. والحق يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق (راجع: الأسماء والصفات ص 26)، قال الله تعالى: وردوا إلى الله مولاهم الحق (سورة يونس آية 30)، وقيل بعيد ذلك: فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون [يونس/32]. والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله الحق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [يونس/5]، إلى قوله: ما خلق الله ذلك إلا بالحق [يونس/5]، وقال في القيامة: ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق [يونس/53]، و ليكتمون الحق [البقرة/146]، وقوله عز وجل: الحق من ربك [البقرة/147]، وإنه للحق من ربك [البقرة/149]. والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق، قال الله تعالى: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق [البقرة/213]. والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حق وقولك حق، قال تعالى: كذلك حقت كلمة ربك [يونس/33]، و حق القول مني لأملأن جهنم [السجدة/13]، وقوله عز وجل: ولو اتبع الحق أهواءهم [المؤمنون/71]، ويصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصح أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أحققت كذا، أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله تعالى: ليحق الحق [الأنفال/8] فإحقاق الحق على ضربين: أحدهما: بإظهار الأدلة والآيات، كما قال تعالى: وأولئك جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا [النساء/91]، أي: حجة قوية. والثاني: بإكمال الشريعة وبثها في الكافة، كقوله تعالى: والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف/8]، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله [التوبة/33]، وقوله: الحاقة ما الحاقة [الحاقة/1]، إشارة إلى القيامة، كما فسره بقوله: يوم يقوم الناس [المطففين/6]، لأنه يحق فيه الجزاء، ويقال: حاققته فحققته، أي خاصمته في الحق فغلبته، وقال عمر رضي الله عنه: (إذا النساء بلغن نص الحقاق فالعصبة أولى في ذلك) (المعنى أن الجارية ما دامت صغيرة فأمها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بأمرها. انظر النهاية 1/414؛ ونهج البلاغة 2/314؛ ونسبه لعلي بن أبي طالب). وفلان نزق الحقاق: إذا خاصم في صغار الأمور (انظر: المجمل 1/215)، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: وكان حقا علينا نصر المؤمنين [الروم/47]، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين [يونس/103]، وقوله تعالى: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق [الأعراف/105]، قيل معناه: جدير، وقرئ: حقيق علي (وبها قرأ نافع وحده. انظر: الإتحاف ص 217) قيل: واجب، وقوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن [البقرة/228]، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله تعالى صلى الله عليه وسلم لحارث: (لكل حق حقيقته، فما حقيقة إيمانك؟) (عن صالح بن مسمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحارث بن مالك: كيف أنت؟ أو: ما أنت يا حارث؟ قال: مؤمن يا رسول الله، قال: مؤمن حقا؟ قال: مؤمن حقا. قال: لكل حق حقيقة، فما حقيقة ذلك؟ قال:عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي عز وجل، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله: (مؤمن نور الله قلبه). أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 106 مرسلا والبزار والطبراني، وهو حديث معضل. انظر: الإصابة 1/289؛ ومجمع الزوائد 1/57)، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدعيه حقا؟ وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحق عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخصا ومتزيدا، ويستعمل في ضده المتجوز والمتوسع والمتفسح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه وبقاء تلك، وأما في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة (انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 42). والحق من الإبل: ما استحق أن يحمل عليه، والأنثى: حقه، والجمع: حقاق، وأتت الناقة على حقها (انظر: اللسان (حقق) 10/55)، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من العالم الماضي.