تفسير كلمة الصَّلاَةَ من سورة البقرة آية رقم 43


وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ {43}

الصَّلاةُ: العِبادَةُ المَشْروعَةُ وهي الأقْوالُ والأفْعالُ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسليمِ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "صلو"

أصل الصلي الإيقاج بالنار، ويقال: صلي بالنار وبكذا، أي: بلي بها، واصطلى بها، وصليت الشاة: شويتها، وهي مصلية. قال تعالى: اصلوها اليوم [يس/64]، وقال: يصلى النار الكبرى [الأعلى/12]، تصلى نارا حامية [الغاشية/4]، ويصلى سعيرا [الانشقاق/12]، وسيصلون سعيرا [النساء/10]، قرئ: سيصلون (وهي قراءة ابن عامر وشعبة. انظر: الإتحاف ص 186) بضم الياء وفتحها، حسبهم جهنم يصلونها [المجادلة /8]، سأصليه سقر [المدثر/26]، وتصلية جحيم [الواقعة/94]، وقوله: لايصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى [الليل/15 - 16]، فقد قيل: معناه لا يصطلي بها إلا الأشقى الذي. قال الخليل: صلي الكافر النار: قاسى حرها (انظر: العين 7/154)، يصلونها فبئس المصير [المجادلة/8]، وقيل: صلى النار: دخل فيها، وأصلاها غيره، قال: فسوف نصليه نارا [النساء/30]، ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا [مريم/70]، قيل: جمع صال، والصلاء يقال للوقود وللشواء. والصلاة ؛ قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء، والتبريك والتمجيد (ونقل هذا السخاوي في القول البديع ص 11؛ وهو قول الخازرنجي صاحب تكمله العين. انظر تفسير الرازي 2/29)، يقال: صليت عليه، أي: دعوت له وزكيت، وقال عليه السلام: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائما فليصل) (الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل) أخرجه مسلم في النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي برقم (1431) ؛ وأحمد في المسند 3/392؛ وانظر: شرح السنة 6/375) أي: ليدع لأهله، : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [التوبة/103]، يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه [الأحزاب/56]، وصلوات الرسول [التوبة/99]، وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق: تزكيته إياهم. وقال: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة [البقرة/157]، ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار، كما هي من الناس (قال السخاوي: نقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، وقيل: صلاة الملائكة الدعاء. انظر: القول البديع ص 10. - ورد هذا القول ابن القيم في جلاء الأفهام ص 81). قال تعالى: إن الله وملائكته يصلون على النبي [الأحزاب/56]، والصلاة التي هي العبادة المخصوصة، أصلها: الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من العبادات التي لم تنفك شريعة منها، وإن اختلف صورها بحسب شرع فشرع. ولذلك قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا [النساء/103]، وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصلى (صلاء النار: حرها)، قال: ومعنى صلى الرجل، أي: أنه ذاد وأزال عن نفسه بهذه العبادة الصلى الذي هو نار الله الموقدة. وبناء صلى كبناء مرض لإزالة المرض، ويسمى موضع العبادة الصلاة، ولذلك سميت الكنائس صلوات، كقوله: لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد [الحج/ 40]، وكل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة أو حث عليه ذكر بلفظ الإقامة، نحو: والمقيمين الصلاة [النساء/162]، وأقيموا الصلاة [البقرة/ 43]، وأقاموا الصلاة [البقرة/277]، ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين، نحو قوله: فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون [الماعون/4 - 5]، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى [التوبة/54]، وإنما خص لفظ الإقامة تنبيها أن المقصود من فعلها توفيه حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا روي (أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل) (ومثله قول عمر رضي الله عنه: الموسم كثير، والحج قليل، وذكره المؤلف في مقدمة تفسيره ص 157)، وقوله تعالى: لم نك من المصلين [المدثر/43]، أي: من أتباع النبيين، وقوله: فلا صدق ولا صلى [القيامة/31]، تنبيها أنه لم يكن ممن يصلي، أي يأتي بهيئتها فضلا عمن يقيمها. وقوله: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [الأنفال/35]، فتسمية صلاتهم مكاء وتصدية تنبيه على إبطال صلاتهم، وأن فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيور تمكو وتصدي، وفائدة تكرار الصلاة في قوله: قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون [المؤمنون/1 - 2] إلى آخر القصة حيث قال: والذين هم على صلاتهم يحافظون [المؤمنون/9]، فإنا نذكره فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله (قال البقاعي: ولما كانت الصلاة من أجل ما عهد فيه من أمر الدين وآكده، وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها، لما خفف الله فيها على هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها قال: والذين هم على صلواتهم التي وصفوا بالخشوع فيها يحافظون أي: يجددون تعهدها بغاية جهدهم، لا يتركون شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها، ويجتهدون في كمالاتها. انتهى. نظم الدرر: 13/109).