تفسير كلمة الْكُفْرَ من سورة البقرة آية رقم 108


أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ {108}

الإنكارَ لِوُجودِ اللهِ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كفر"

الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزارع لستره البذر في الأرض، وليس ذلك باسم لهما كما قال بعض أهل اللغة لما سمع: - 387 - ألقت ذكاء يمينها في كافر (هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطره: فتذكرت ثقلا رئيدا بعد ما وهو من مفضليته التي مطلعها: هل عند عمرة من بتات مسافر * ذي حاجة متروح أو باكر والبيت في المفضليات ص 130؛ واللسان (كفر) ؛ والأفعال 2/174) والكافور: اسم أكمام الثمرة التي تكفرها، قال الشاعر: - 388 - كالكرم إذ نادى من الكافور (الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر) ؛ وتهذيب اللغة 10/201) وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: فلا كفران لسعيه [الأنبياء/94]. وأعظم الكفر: جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعا قال: فأبى الظالمون إلا كفورا [الإسراء/99]، فأبى أكثر الناس إلا كفورا [الفرقان/50] ويقال منهما: كفر فهو كافر. قال في الكفران: ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم [النمل/40]، وقال: واشكروا لي ولا تكفرون [البقرة/ 152]، وقوله: وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين [الشعراء/19] أي: تحريت: كفران نعمتي، وقال: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم/7] ولما كان الكفران يقتضي جحود النعمة صار يستعمل في الجحود، قال: ولا تكونوا أو كافر به [البقرة/41] أي: جاحد له وساتر، والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كفر لمن أخل بالشريعة، وترك ما لزمه من شكر الله عليه. قال: من كفر فعليه كفره [الروم/44] يدل على ذلك مقابلته بقوله: ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون [الروم/44]، وقال: وأكثرهم الكافرون [النحل/83]، وقوله: ولا تكونوا أول كافر به [البقرة/41] أي: لا تكونوا أئمة في الكفر فيقتدى بكم، وقوله: ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [النور/55] عني بالكافر الساتر للحق، فلذلك جعله فاسقا، ومعلوم أن الكفر المطلق هو أعم من الفسق، ومعناه: من جحد حق الله فقد فسق عن أمر ربه بظلمه. ولما جعل كل فعل محمود من الإيمان جعل كل فعل مذموم من الكفر، وقال في السحر: وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [البقرة/102] وقوله: الذين يأكلون الربا، إلى قوله: كل كفار أثيم [البقرة/275 - 276] (الآية: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، وأمره إلى الله، وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق الله الربا ويربي الصدقات، والله لا يحب كل كفار أثيم ) وقال: ولله على الناس حج البيت إلى قوله: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين [آل عمران/97] (الآية: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) والكفور: المبالغ في كفران النعمة، وقوله: إن الإنسان لكفور [الزخرف/15]، وقال: ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور [سبأ/17] إن قيل: كيف وصف الإنسان ههنا بالكفور، ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إن، واللام، وكل ذلك تأكيد، وقال في موضع وكره إليكم الكفر [الحجرات/7]، فقوله: إن الإنسان لكفور مبين [الزخرف/15] تنبيه على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النعمة، وقلة ما يقوم بأداء الشكر، وعلى هذا قوله: قتل الإنسان ما أكفره [عبس/17] ولذلك قال: وقليل من عبادي الشكور [سبأ/13]، وقوله: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [الإنسان/3] تنبيه أنه عرفه الطريقين كما قال: وهديناه النجدين [البلد/10] فمن سالك سبيل الشكر، ومن سالك سبيل الكفر، وقوله: وكان الشيطان لربه كفورا [الإسراء/27] فمن الكفر، ونبه بقوله: كان أنه لم يزل منذ وجد منطويا على الكفر. والكفار أبلغ من الكفور لقوله: كل كفار عنيد [ق/24] وقال: والله لا يحب كل كفار أثيم [البقرة/276]، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [الزمر/ 3]، إلا فاجرا كفارا [نوح/27] قد أجري الكفار مجرى الكفور في قوله: إن الإنسان لظلوم كفار [إبراهيم/34]. والكفار في جمع الكافر المضاد للإيمان أكثر استعمالا كقوله: أشداء على الكفار [الفتح/29]، وقوله: ليغيظ بهم الكفار [الفتح/29]. والكفرة في جمع كافر النعمة أشد استعمالا، وفي قوله: أولئك هم الكفرة الفجرة [عبس/42] ألا ترى أنه وصف الكفرة بالفجرة؟ والفجرة قد يقال للفساق من المسلمين. وقوله: جزاء لمن كان كفر [القمر/14] أي: من الأنبياء ومن يجري مجراهم ممن بذلوا النصح في أمر الله فلم يقبل منهم. وقوله: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا [النساء/137] قيل: عني بقوله إنهم آمنوا بموسى، ثم كفروا بمن بعده. والنصارى آمنوا بعيسى، ثم كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا بموسى إذ لم يؤمنوا بغيره، وقيل: هو ما قال: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي إلى قوله: واكفروا آخره [آل عمران/72] ( قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) ولم يرد أنهم آمنوا مرتين وكفروا مرتين، بل ذلك إشارة إلى أحوال كثيرة. وقيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل في ثلاث درجات ينعكس في الرذائل في ثلاث درجات. والآية إشارة إلى ذلك، وقد بينته في كتاب (الذريعة إلى مكارم الشريعة) (قال الراغب في كتاب (الذريعة) : وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلة ثلاثة أحوال: إما أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: من لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها. والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى مكان الشريعة ص 44). ويقال: كفر فلان: إذا اعتقد الكفر، ويقال ذلك إذا أظهر الكفر وإن لم يعتقد، ولذلك قال: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان [النحل/106] ويقال: كفر فلان بالشيطان: إذا كفر بسببه، وقد يقال ذلك إذا آمن وخالف الشيطان، كقوله: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله [البقرة/256] وأكفره إكفارا: حكم بكفره، وقد يعبر عن التبري بالكفر نحو: ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض... الآية [العنكبوت/25]، وقوله تعالى: إني كفرت بما أشركتمون من قبل [إبراهيم/22]، وقوله: كمثل غيث أعجب الكفار نباته [الحديد/20] قيل: عني بالكفار الزراع (وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 454) ؛ لأنهم يغطون البذر في التراب ستر الكفار حق الله تعالى بدلالة قوله: يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [الفتح/29] ولأن الكافر لا اختصاص له بذلك. وقيل: بل عنى الكفار، وخصهم بكونهم معجبين بالدنيا وزخارفها وراكنين إليها. والكفارة: ما يغطي الإثم، ومنه: كفارة اليمين نحو قوله: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم [المائدة/89] وكذلك كفارة غيره من الآثام ككفارة القتل والظهار. قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين [المائدة/89] والتكفير: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، ويصح أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، نحو: التمريض في كونه إزالة للمرض، وتقذية العين في إزالة القذى عنه، قال: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم [المائدة/65]، نكفر عنكم سيئاتكم [النساء/31] وإلى هذا المعنى أشار بقوله: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود/114] وقيل: صغار الحسنات لا تكفر كبار السيئات، وقال: لأكفرن عنهم سيئاتهم [آل عمران/ 195]، لأكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا [الزمر/35] ويقال: كفرت الشمس النجوم: سترتها، ويقال الكافر للسحاب الذي يغطي الشمس والليل، قال الشاعر: - 389 - ألقت ذكاء يمينها في كافر (تقدم قريبا ص 714؟؟) وتكفر في السلاح. أي: تغطي فيه، والكافور: أكمام الثمرة. أي: التي تكفر الثمرة، قال الشاعر: - 390 - كالكرم إذ نادى من الكافور (الشطر تقدم قريبا ص 714) والكافور الذي هو من الطيب. قال تعالى: كان مزاجها كافورا [الإنسان/5].