تفسير و معنى كلمة المجرمين الْمُجْرِمِينَ من سورة الكهف آية رقم 49


وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً {49}

الكافِرينَ المُعانِدينَ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "جرم"

أصل الجرم: قطع الثمرة عن الشجر، ورجل جارم، وقوم جرام، وثمر جريم. والجرامة: رديء التمر المجروم، وجعل بناؤه بناء النفاية، وأجرم: صار ذا جرم، نحو: أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكيس المحمود، ومصدره: جرم، وقول الشاعر في صفة عقاب: - 91 - جريمة ناهض في رأس نيق *** (الشطر لأبي خراش الهذلي، وعجزه: ترى العظام ما جمعت صليبا وهو في ديوان الهذليين 2/133؛ واللسان (جرم) ؛ والمجمل 1/184؛ وشمس العلوم 1/310؛ وديوان الأدب 1/399) فإنه سمى اكتسابها لأولادها جرما من حيث إنها تقتل الطيور، أو لأنه تصورها بصورة مرتكب الجرائم لأجل أولادها، كما قال بعضهم: ما ذو ولد - وإن كان بهيمة - إلا ويذنب لأجل أولاده. - فمن الإجرام قوله عز وجل: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون [المطففين/29]، وقال تعالى: فعلي إجرامي [هود/35]، وقال تعالى: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون [المرسلات/46]، وقال تعالى: إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر/47]، وقال عز وجل: إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون [الزخرف/74]. - ومن جرم، قال تعالى: لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم [هود/89]، فمن قرأ بالفتح (أي: فتح الياء وهو قراءة الجميع) فنحو: بغيته مالا، ومن ضم (وهو الأعمش وقراءته شاذة) فنحو: أبغيته مالا، أي أغثته. وقوله عز وجل: ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا [المائدة/8]، قوله عز وجل: فعلي إجرامي [هود/35]، فمن كسر (اتفق جميع القراء على كسر الهمزة من إجرامي ) فمصدر، ومن فتح (وهي قراءة شاذة) فجمع جرم. واستعير من الجرم - أي: القطع - جرمت صوف الشاة، وتجرم الليل (أي: ذهب). والجرم في الأصل: المجروم، نحو نقض ونفض للمنقوض والمنفوض، وجعل اسما للجسم المجروم، وقولهم: فلان حسن الجرم، أي: اللون، فحقيقته كقولك: حسن السخاء. وأما قولهم: حسن الجرم، أي: الصوت (قال ابن مالك: كسب وأرض ذات حر جرم *** وعرب والقطع، أما الجرم فالجسم والصوت، وأما الجرم *** فالذنب لا عوملت بالإذناب). فالجرم في الحقيقة إشارة إلى موضع الصوت لا إلى ذات الصوت، ولكن لما كان المقصود بوصفه بالحسن هو الصوت فسر به، كقولك: فلان طيب الحلق، وإنما ذلك إشارة إلى الصوت لا إلى الحلق نفسه. وقوله عز وجل: لا جرم (الآية: لا جرم أن لهم النار من سورة النحل: رقم (62) ) قيل: إن (لا) يتناول محذوفا، نحو (لا) في قوله تعالى: لا أقسم [القيامة/1]، وفي قول الشاعر: - 92 - لا وأبيك ابنة العامري *** (الشطر لامرئ القيس، وعجزه: لا يدعي القوم أني أفر وهو في ديوانه ص 68) ومعنى جرم: كسبن أو جنى. و: أن لهم النار [النحل/62]، في موضع المفعول، كأنه قال: كسب لنفسه النار. وقيل: جرم وجرم بمعنى، لكن خص بهذا الموضع (جرم) كما خص عمر بالقسم، وإن كان عمر وعمر (قال الزمخشري: العمر: الحياة والبقاء، وفيه لغات ثلاث: عمر، وعمر، وعمر، ولا يستعمل في القسم من اللغات الثلاث إلا المفتوحة؛ لأنها أخف اللغات، ووزنها أخف الأوزان الثلاثية كلها، والقسم كثير الاستعمال عندهم فاختاروا له أخفها، انظر: أعجب العجب ص 38 - 39) بمعنى، ومعناه: ليس بجرم أن لهم النار، تنبيها أنهم اكتسبوها بما ارتكبوه إشارة إلى قوله تعالى: ومن أساء فعليها [الجاثية/15]. وقد قيل في ذلك أقوال، أكثرها ليس بمرتضى عند التحقيق (انظر: معاني القرآن للفراء 2/8 - 9). وعلى ذلك قوله عز وجل: فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون [النحل/22]، لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون [النحل/23]، وقال تعالى: لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون [النحل/109].


تصفح سورة الكهف كاملة