تفسير كلمة بِآيَاتِنَا من سورة البقرة آية رقم 39


وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {39}

بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا. أو الآيات : جمع آية ، والآية من كتاب الله : جملة ، أو جمل أثر الوقف في نهايتها غالبا

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "أيي"

أي في الاستخبار موضوع للبحث عن بعض الجنس والنوع وعن تعيينه، ويستعمل ذلك في الخبر والجزاء، نحو: أياما تدعو فله الأسماء الحسنى [الإسراء/110]، و أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي [القصص/28] والآية: هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركهه بذاته، إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لا بد له من صانع. واشتقاق الآية إما من أي فإنها هي التي تبين أيا من أي، أو من قولهم: أوى إليه. والصحيح أنها مشتقة من التأيي الذي هو التثبت (قال ابن منظور: يقال: قد تأييت أي: تلبثت وتحسبت) والإقامة على الشيء. يقال: تأي، أي: ارفق (والتأيي: التنظر والتؤدة، يقال: تأيا الرجل: إذا تأنى في الأمر)، أو من قولهم: أوى إليه. وقيل للبناء العالي آية، نحو: أتبنون بكل ريع آية تعبثون [الشعراء/128]. ولكل جملة من القرآن دالة على حكم آية، سورة كانت أو فصولا أو فصلا من سورة، وقد يقال لكل كلام منه منفصل بفصل لفظي: آية. وعلى هذا اعتبار آيات السور التي تعد بها السورة. وقوله تعالى: إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين [الجاثية/3]، فهي من الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم، وكذلك قوله: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون [العنكبوت/49]، وكذا قوله: وكأين من آية في السموات والأرض [يوسف/105]، وذكر في مواضع آية وفي مواضع آيات، وذلك لمعنى مخصوص (وقد بسط الكلام على ذلك الإسكافي في درة التنزيل وغرة التأويل، انظر: ص 435 - 436) ليس هذا الكتاب موضع ذكره. وإنما قالك وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون/50] ولم يقل: آيتين (قال ابن عرفة: ولم يقل آيتين لأن قصتهما واحدة) ؛ لأن كل واحد صار آية بالآخر. وقوله عز وجل: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا [الإسراء/59] فالآيات ههنا قيل: إشارة إلى الجراد والقمل والضفادع، ونحوها من الآيات التي أرسلت إلى الأمم المتقدمة، فنبه أن ذلك إنما يفعل بمن يفعله تخويفا، وذلك أخس المنازل للمأمورين، فإن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أشياء: - إما أن يتحراه لرغبة أو رهبة، وهو أدنى منزلة. - وإما أن يتحراه لطلب محمدة. - وإما أن يتحراه للفضيلة، وهو أن يكون ذلك الشيء فاضلا في نفسه، وذلك أشرف المنازل. فلما كانت هذه الأمة خير أمة كما قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران/110] رفعهم عن هذه المنزلة، ونبه أنه لا يعمهم بالعذاب وإن كانت الجهلة منهم كانوا يقولون: أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال/32]. وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة، ونبه أنه يقتصر معهم على الأدلة، ويصانون عن العذاب الذي يستعجلون به في قوله عز وجل: يستعجلونك بالعذاب [العنكبوت/54]. وفي بناء آية ثلاثة أقوال: قيل: هي فعلة (وهذا قول الخليل، واختاره المبرد في المقتضب 1/289)، وحق مثلها أن يكون لامه معلا دون عينه، نحو: حياة ونواة، لكن صحح لامه لوقوع الياء قبلها، نحو: راية. وقيل: هي فعلة (وهذا أصح الأقوال، وهو قول سيبويه، انظر: الكتاب 4/398؛ والمسائل الحلبيات ص 335) إلا أنها قلبت كراهة التضعيف كطائي في طيئ. وقيل هي فاعلة، وأصلها: آيية فخففت فصار آية، وذلك ضعيف لقولهم في تصغيرها: أيية، ولو كانت فاعلة لقيل: أوية (وفي هذا يقول العلامة سيدنا بن الشيخ سيدي الكبير الشنقيطي: في آية خلف على أقوال *** ما وزنها من قبل ذا الإعلال فقيل: أية وقيل: أيية *** وقيل: بل أيية أو أيية كتوبة نبقة وسمره *** قصبة وذا الخليل شهرة وعندهم أن المعل الأول *** كما هم في غاية قد جعلوا وقيل: بل آيية كفاعلة *** وحذف العين ولا موجب له).