تفسير كلمة بِالْحَقِّ من سورة البقرة آية رقم 119


إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ {119}

بِالعَقيدةِ الثابِتَةِ الصَّحيحَةِ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "حقق"

أصل الحق: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه (هي عقب الباب) لدورانه على استقامة. والحق يقال على أوجه: الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق (راجع: الأسماء والصفات ص 26)، قال الله تعالى: وردوا إلى الله مولاهم الحق (سورة يونس آية 30)، وقيل بعيد ذلك: فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون [يونس/32]. والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله الحق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [يونس/5]، إلى قوله: ما خلق الله ذلك إلا بالحق [يونس/5]، وقال في القيامة: ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق [يونس/53]، و ليكتمون الحق [البقرة/146]، وقوله عز وجل: الحق من ربك [البقرة/147]، وإنه للحق من ربك [البقرة/149]. والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق، قال الله تعالى: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق [البقرة/213]. والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حق وقولك حق، قال تعالى: كذلك حقت كلمة ربك [يونس/33]، و حق القول مني لأملأن جهنم [السجدة/13]، وقوله عز وجل: ولو اتبع الحق أهواءهم [المؤمنون/71]، ويصح أن يكون المراد به الله تعالى، ويصح أن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. ويقال: أحققت كذا، أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا، وقوله تعالى: ليحق الحق [الأنفال/8] فإحقاق الحق على ضربين: أحدهما: بإظهار الأدلة والآيات، كما قال تعالى: وأولئك جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا [النساء/91]، أي: حجة قوية. والثاني: بإكمال الشريعة وبثها في الكافة، كقوله تعالى: والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف/8]، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله [التوبة/33]، وقوله: الحاقة ما الحاقة [الحاقة/1]، إشارة إلى القيامة، كما فسره بقوله: يوم يقوم الناس [المطففين/6]، لأنه يحق فيه الجزاء، ويقال: حاققته فحققته، أي خاصمته في الحق فغلبته، وقال عمر رضي الله عنه: (إذا النساء بلغن نص الحقاق فالعصبة أولى في ذلك) (المعنى أن الجارية ما دامت صغيرة فأمها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بأمرها. انظر النهاية 1/414؛ ونهج البلاغة 2/314؛ ونسبه لعلي بن أبي طالب). وفلان نزق الحقاق: إذا خاصم في صغار الأمور (انظر: المجمل 1/215)، ويستعمل استعمال الواجب واللازم والجائز نحو: وكان حقا علينا نصر المؤمنين [الروم/47]، كذلك حقا علينا ننج المؤمنين [يونس/103]، وقوله تعالى: حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق [الأعراف/105]، قيل معناه: جدير، وقرئ: حقيق علي (وبها قرأ نافع وحده. انظر: الإتحاف ص 217) قيل: واجب، وقوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن [البقرة/228]، والحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبات ووجود، كقوله تعالى صلى الله عليه وسلم لحارث: (لكل حق حقيقته، فما حقيقة إيمانك؟) (عن صالح بن مسمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحارث بن مالك: كيف أنت؟ أو: ما أنت يا حارث؟ قال: مؤمن يا رسول الله، قال: مؤمن حقا؟ قال: مؤمن حقا. قال: لكل حق حقيقة، فما حقيقة ذلك؟ قال:عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي عز وجل، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أسمع عواء أهل النار، فقال رسول الله: (مؤمن نور الله قلبه). أخرجه ابن المبارك في الزهد ص 106 مرسلا والبزار والطبراني، وهو حديث معضل. انظر: الإصابة 1/289؛ ومجمع الزوائد 1/57)، أي: ما الذي ينبئ عن كون ما تدعيه حقا؟ وفلان يحمي حقيقته، أي: ما يحق عليه أن يحمى. وتارة تستعمل في الاعتقاد كما تقدم، وتارة في العمل وفي القول، فيقال: فلان لفعله حقيقة: إذا لم يكن مرائيا فيه، ولقوله حقيقة: إذا لم يكن مترخصا ومتزيدا، ويستعمل في ضده المتجوز والمتوسع والمتفسح، وقيل: الدنيا باطل، والآخرة حقيقة، تنبيها على زوال هذه وبقاء تلك، وأما في تعارف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة (انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 42). والحق من الإبل: ما استحق أن يحمل عليه، والأنثى: حقه، والجمع: حقاق، وأتت الناقة على حقها (انظر: اللسان (حقق) 10/55)، أي: على الوقت الذي ضربت فيه من العالم الماضي.