تفسير كلمة بَصِيرٌ من سورة البقرة آية رقم 96


وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ {96}

صِفَةٌ للهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالى، أيْ أنَّهُ تَعَالى يَرَى المَرئِيَّاتِ بِلا كَيْفٍ ولا آلَةٍ ولا جارِحَةٍ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بصر"

البصر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: كلمح البصر [النحل/77]، و وإذ زاغت الأبصار [الأحزاب/10]، وللقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بصيرة وبصر، نحو قوله تعالى: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد [ق/22]، وقال: ما زاغ البصر وما طغى [النجم/17]، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر، قال تعالى: فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم [الأحقاف/26]، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأول: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به (انظر: الأفعال 4/69)، وقلما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر [مريم/42]، وقال: ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة/12]، ولو كانوا لا يبصرون [يونس/43]، وأبصر فسوف يبصرون [الصافات/179]، بصرت بما لم يبصروا به [طه/96] ومنه: أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف/108] أي: على معرفة وتحقيق. وقوله: بل الإنسان على نفسه بصيرة [القيامة/14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم [النور/24]. والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أن ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عز وجل: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام/103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه) (انظر تفسير الرازي 1/281) وقال: (كل ما أدركته فهو غيره). والباصرة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا (في المثل: لأرينك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/237)، أي: نظرا بتحديق، قال عز وجل: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة [النمل/13]، وجعلنا آية النهار مبصرة [الإسراء/12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عز وجل: وآتينا ثمود مبصرة [الإسراء/59]، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث (قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقوي مقو) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس [القصص/43] أي: جعلنا عبرة لهم، وقوله: وأبصر فسوف يبصرون [الصافات/179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عز وجل: وكانوا مستبصرين [العنكبوت/38] أي: طالبين للبصيرة. ويصح أن يستعار الاستبصار للأبصار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عز وجل: وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج *** تبصرة [ق/7 - 8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بصرته تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدمته وتقدمه، وذكرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: ولا يسأل حميم حميما *** يبصرونهم [المعارج/10 - 11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصر الجرو: تعرض للإبصار لفتحه العين (وفي اللسان: وبصر الجرو تبصيرا: فتح عينه). والبصرة: حجارة رخوة تلمع كأنها تبصر، أو سميت بذلك لأن لها ضوءا تبصر به من بعد. ويقال له بصر، والبصيرة: قطعة من الدم تلمع، والترس اللامع، والبصر: الناحية، والبصيرة ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرت الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.


تصفح سورة البقرة كاملة