تفسير و معنى كلمة بطونها بُطُونِهَا من سورة النحل آية رقم 69


ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {69}

البُطُونُ: جَمْعُ بَطْنٍ والبَطْنُ: الجَوْفُ وهوَ مُقابِلُ الظَّهْرِ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بطن"

أصل البطن الجارحة، وجمعه بطون، قال تعالى: وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم [النجم/32]، وقد بطنته: أصبت بطنه، والبطن: خلاف الظهر في كل شيء، ويقال للجهة السفلى: بطن، وللجهة العليا: ظهر، وبه شبه بطن الأمر وبطن الوادي، والبطن من العرب اعتبارا بأنهم كشخص واحد، وأن كل قبيلة منهم كعضو بطن وفخذ وكاهل، وعلى هذا الاعتبار قال الشاعر: - 58 - الناس جسم وإمام الهدى *** رأس وأنت العين في الرأس (البيت لعلي بن جبلة العكوك في حميد الطوسي، وهو في ديوانه ص 74؛ وعقد الخلاص في نقد كلام الخواص لابن الحنبلي ص 200؛ وذيل أمالي القالي 3/96؛ والأغاني 18/113؛ وله قصة فيه) ويقال لكل غامض: بطن، ولكل ظاهر: ظهر، ومنه: بطنان القدر وظهرانها، ويقال لما تدركه الحاسة: ظاهر، ولما يخفى عنها: باطن. قال عز وجل: وذروا ظاهر الإثم وباطنه [الأنعام/120]، ما ظهر منها وما بطن [الأنعام/151]، والبطين: العظيم البطن، والبطن: الكثير الأكل، والمبطان: الذي يكثر الأكل حتى يعظم بطنه، والبطنة: كثرة الأكل، وقيل: (البطنة تذهب الفطنة) (جاء عند أبي نعيم في الطب النبوي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسم، مورثة للفشل، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح. راجع: كشف الخفاء 1/286؛ والمقاصد الحسنة ص 124 و 144). وقد بطن الرجل بطنا: إذا أشر من الشبع ومن كثرة الأكل، وقد بطن الرجل: عظم بطنه، ومبطن: خميص البطن، وبطن الإنسان: أصيب بطنه، ومنه: رجل مبطون: عليل البطن، والبطانة: خلاف الظهارة، وبطنت ثوبي بآخر: جعلته تحته. وقد بطن فلان بفلان بطونا، وتستعار البطانة لمن تختصه بالاطلاع على باطن أمرك. قال عز وجل: لا تتخذوا بطانة من دونكم [آل عمران/118] أي: مختصا بكم يستبطن أموركم، وذلك استعارة من بطانة الثوب، بدلالة قولهم: لبست فلانا: إذا اختصصته، وفلان شعاري ودثاري، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه) (الحديث الصحيح كما قال البغوي، وقد أخرجه النسائي 7/158؛ وأحمد 3/237؛ والترمذي (2370) وقال: حسن صحيح؛ وانظر: شرح السنة 10/75). والبطان: حزام يشد على البطن، وجمعه: أبطنة وبطن، والأبطنان: عرقان يمران على البطن. والبطين: نجم هو بطن الحمل، والتبطن: دخول في باطن الأمر. والظاهر والباطن في صفات الله تعالى: لا يقال إلا مزدوجين، كالأول والآخر (راجع: المقصد الأسنى ص 106)، فالظاهر قيل: إشارة إلى معرفتنا البديهية، فإن الفطرة تقتضي في كل ما نظر إليه الإنسان أنه تعالى موجود، كما قال: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله [الزخرف/84] ؛ ولذلك قال بعض الحكماء: مثل طالب معرفته مثل من طوف في الآفاق في طلب ما هو معه. والباطن: إشارة إلى معرفته الحقيقية، وهي التي أشار إليها أبو بكر رضي الله عنه بقوله: يا من غاية معرفته القصور عن معرفته. وقيل: ظاهر بآياته بذاته، وقيل: ظاهر بأنه محيط بالأشياء مدرك لها، باطن من أن يحاط به، كما قال عز وجل: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام/103]. وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه ما دل على تفسير اللفظتين حيث قال: (تجلى لعباده من غير أن رأوه، وأراهم نفسه من غير أن تجلى لهم). ومعرفة ذلك تحتاج إلى فهم ثاقب وعقل وافر. وقوله تعالى: وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة [لقمان/20]. وقيل: الظاهرة بالنبوة الباطنة بالعقل، وقيل: الظاهرة: المحسوسات، والباطنة: المعقولات، وقيل: الظاهرة: النصرة على الأعداء بالناس، والباطنة: النصرة بالملائكة. وكل ذلك يدخل في عموم الآية.


تصفح سورة النحل كاملة