تفسير كلمة بَيْتِيَ من سورة البقرة آية رقم 125


وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ {125}

البَيْت:  الكعبة المشرّفة بمكة المكرّمة

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بيت"

أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال: ظل بالنهار ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر. قال عز وجل: فتلك بيتوهم خاوية بما ظلموا [النمل/52]، وقال تعالى: واجعلوا بيوتكم قبلة [يونس/78]، لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم [النور/27]، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر وصوف ووبر، وبه شبه بيت الشعر، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته، وصار أهل البيت متعارفا في آل النبي عليه الصلاة والسلام، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (سلمان منا أهل البيت) (أخرجه الحاكم 3/598 وقال الذهبي: سنده ضعيف، وقال العجلوني: رواه الطبراني والحاكم عن عمرو بن عوف، وسنده ضعيف انتهى. قال الهيثمي: فيه عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. انظر: كشف الخفاء 1/459، والفتح الكبير 2/159؛ وأسباب ورود الحديث 2/367). أن مولى القوم يصح نسبته إليهم، كما قال: (مولى القوم منهم، وابنه من أنفسهم) (قال السخاوي: رواه أصحاب السنن وابن حبان من حديث أبي رافع وفيه قصة. انتهى. وهو عند الشيخين عن أنس بلفظ: (من أنفسهم) وأيضا فيه: (ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم). راجع: فتح الباري 12/48؛ وشرح السنة 8/352؛ وكشف الخفاء 2/291؛ والمقاصد الحسنة ص 439) وبيت الله والبيت العتيق: مكة، قال الله عز وجل: وليطوفوا بالبيت العتيق [الحج/29]، إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة [آل عمران/96]، وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت [البقرة/127] يعني: بيت الله. وقوله عز وجل: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى [البقرة/189]، إنما نزل في قوم كانوا يتحاشون أن يستقبلوا بيوتهم بعد إحرامهم، فنبه تعالى أن ذلك مناف للبر (انظر: الدار المنثور 1/491. وأسباب النزول للواحدي ص 86)، وقوله عز وجل: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام [الرعد/23]، معناه: بكل نوع من المسار، وقوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع [النور/36]، قيل: بيوت النبي (وهذا قول مجاهد فيما أخرجه عنه ابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور 6/203) نحو: لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم [الأحزاب/53]، وقيل: أشير بقوله: في بيوت إلى أهل بيته وقومه. وقيل: أشير به إلى القلب. وقال بعض الحكماء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) (الحديث متفق على صحته، وهو في البخاري في بدء الخلق 6/256؛ ومسلم برقم (2106) في اللباس والزينة؛ وانظر: شرح السنة 12/126) : إنه أريد به القلب، وعني بالكلب الحرص بدلالة أنه يقال: كلب فلان: إذا أفرط في الحرص، وقولهم: هو أحرص من كلب (ومن أمثالهم: أحرص من كلب على جيفة، ومن كلب على عرق، والعرق: العظم عليه اللحم. راجع: مجمع الأمثال 1/228). وقوله تعالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت [الحج/26] يعني: مكة، و قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة [التحريم/11]، أي: سهل فيها مقرا، وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة [يونس/87] يعني: المسجد الأقصى. وقوله عز وجل: فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين [الذاريات/36]، فقد قيل: إشارة إلى جماعة البيت فسماهم بيتا كتسمية نازل القرية قرية. والبيات والتبيت: قصد العدو ليلا. قال تعالى: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وههم نائمون [الأعراف/97] / بياتا أو هم قائلون [الأعراف/4]. والبيوت: ما يفعل بالليل، قال تعالى: بيت طائفة منهم [النساء/81]. يقال لكل فعل دبر فيه بالليل: بيت، قال تعالى: إذ يبيتون ما لا يرضى من القول [النساء/108]، وعلى ذلك قوله عليه السلام: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (الحديث أخرجه ابن ماجه عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) وهو في سننه 1/542، والفتح الكبير 3/346. وفي الموطأ عن ابن عمر أنه كان يقول: (لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر)، وعن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) قال ابن عبد البر: اضطرب في إسناده، وهو أحسن ما روي مرفوعا في هذا الباب انتهى. راجع شرح الزرقاني للموطأ 2/157؛ وتنوير الحوالك 1/270؛ وأخرجه أبو داود في الصوم، راجع معالم السنن 2/134؛ والنسائي 4/196؛ وأحمد 6/87؛ وانظر: شرح السنة 6/268). وبات فلان يفعل كذا عبارة موضوعة لما يفعل بالليل، كظل لما يفعل بالنهار، وهما من باب العبارات.