تفسير كلمة بَيَّنَّا من سورة البقرة آية رقم 118


وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {118}

وَضَّحْنا وَأظْهَرْنا

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بين"

بين: موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. قال تعالى: وجعلنا بينهما زرعا (ونقل هذا السيوطي عنه في الإتقان 2/209) [الكهف/32]، يقال: بأن كذا أي: انفصل وظهر ما كان مستترا منه، ولما اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استعمل في كل واحدة منفردا، فقيل للبئر البعيدة القعر: بيون، لبعد ما بين الشفير والقعر لانفصال حبلها من يد صاحبها. وبان الصبح: ظهر، وقوله تعالى: لقد تقطع بينكم (وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة ويعقوب وخلف وشعبة عن عاصم وان عامر الشامي برفع (بينكم)، وقرأ نافع وحفص والكسائي وأبو جعفر (بينكم) بنصب النون) [الأنعام/194]، أي: وصلكم. وتحقيقه: أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: يوم لا ينفع مال ولا بنون [الشعراء/88]، وعلى ذلك قوله: لقد جئتمونا فرادى الآية [الأنعام/94]. و (بين) يستعمل اسما وتارة ظرفا، فمن قرأ: بينكم [الأنعام/94]، جعله اسما، ومن قرأ: بينكم جعله ظرفا غير متمكن وتركه مفتوحا، فمن الظرف قوله: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات/1]، وقوله: فقدموا بين يدي نجواكم صدقة [المجادلة/12]، فاحكم بيننا بالحق [ص/22]، وقوله تعالى: فلما بلغا مجمع بينهما [الكهف/61]، فيجوز أن يكون مصدرا، أي: موضع المفترق. وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق [النساء/92]. ولا يستعمل (بين) إلا فيما كان له مسافة، نحو: بين البلدين، أو له عدد ما اثنان فصاعدا نحو: الرجلين، وبين القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرر، نحو: ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت/5]، فاجعل بيننا وبينك موعدا [طه/58]، ويقال: هذا الشيء بين يديك، أي: متقدما لك، ويقال: هو بين يديك أي: قريب منك، وعلى هذا قوله: ثم لآتينهم من بين أيديهم [الأعراف/17]، و له ما بين أيدينا وما خلفنا [مريم/64]، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا [يس/9]، ومصدقا لما بين يدي من التوراة [المائدة/46]، أأنزل عليه الذكر من بيننا [ص/8]، أي: من جملتنا، وقوله: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه [سبأ/31]، أي: متقدما له من الإنجيل ونحوه، وقوله: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم [الأنفال/1]، أي: راعوا الأحوال التي تجمعكم من القرابة والوصلة والمودة. ويزداد في بين (ما) أو الألف، فيجعل بمنزلة (حين)، نحو: بينما زيد يفعل كذا، وبينا يفعل كذا، قال الشاعر: - 76 - بينا يعنقه الكماة وروغة *** يوما أتيح له جريء، سلفع (البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/37؛ وشمس العلوم 1/205؛ واللسان (بين) ؛ وغريب الحديث للخطابي 2/469). يقال: بان واستبان وتبين نحو عجل واستعجل وتعجل وقد بينته. قال الله سبحانه: وقد تبين لكم من مساكنهم [العنكبوت/38]، وتبين لكم كيف فعلنا بهم [إبراهيم/45]، و لتستبين سبيل المجرمين [الأنعام/55]، قد تبينا الرشد من الغي [البقرة/256]، قد بينا لكم الآيات [آل عمران/118]، و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه [الزخرف/63]، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/44]، وليبين لهم الذي يختلفون فيه [النحل/39]، فيه آيات بينات [آل عمران/97]، وقال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات [البقرة/185]. ويقال: آية مبينة اعتبارا بمن بينها، وآية مبينة اعتبارا بنفسها، وآيات مبينات ومبينات. والبينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وسمي الشاهدان بينة لقوله عليه السلام: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (الحديث أخرجه البيهقي 8/279؛ والدارقطني 3/111؛ ولمسلم: (البينة على المدعي) وليس فيه: (واليمين... ) (انظر: صحيح مسلم رقم 1171)، وقال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين، وأخرجه الدارقطني بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) وفيه ضعف، وله عدة طرق متعددة لكنها ضعيفة، انظر: كشف الخفاء 1/289)، وقال سبحانه: أفمن كان على بينة من ربه [هود/17]، وقال: ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة [الأنفال/42]، جاءتهم رسلهم بالبينات [الروم/9]. والبيان: الكشف عن الشيء، وهو أعلم من النطق؛ لأن النطق مختص بالإنسان، ويسمى ما بين به بيانا. قال بعضهم: البيان على ضربين: أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدل على حال من الأحوال من آثار الصنعة. والثاني بالاختبار، وذلك إما يكون نطقا، أو كتابة، أو إشارة. فمما هو بيان الحال قوله: ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين [الزخرف/62]، أي: كونه عدوا بين في الحال. تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين [إبراهيم/10]. وما هو بيان بالاختبار فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون *** بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/43 - 44]، وسمي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاله نحو: هذا بيان للناس [آل عمران/138]. وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانا، نحو قوله: ثم إن علينا بيانه [القيامة/19]، ويقال: بينته وأبنته:إذا جعلت لهه بيانا تكشفه، نحو: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/44]، وقال: نذير مبين [ص/70]، و إن هذا لهو البلاء المبين [الصافات/106]، ولا يكاد يبين [الزخرف/52]، أي: يبين، وهو في الخصام غير مبين [الزخرف/18].