تفسير كلمة بَيْنَهُمَا من سورة طه آية رقم 6


لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى {6}

بَيْنَ: ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لا يَتَبَيَّنُ مَعْناهُ إلاَّ بِإضافَتِهِ إلَى اثْنَيْنِ فَأكْثَرَ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بين"

بين: موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما. قال تعالى: وجعلنا بينهما زرعا (ونقل هذا السيوطي عنه في الإتقان 2/209) [الكهف/32]، يقال: بأن كذا أي: انفصل وظهر ما كان مستترا منه، ولما اعتبر فيه معنى الانفصال والظهور استعمل في كل واحدة منفردا، فقيل للبئر البعيدة القعر: بيون، لبعد ما بين الشفير والقعر لانفصال حبلها من يد صاحبها. وبان الصبح: ظهر، وقوله تعالى: لقد تقطع بينكم (وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة ويعقوب وخلف وشعبة عن عاصم وان عامر الشامي برفع (بينكم)، وقرأ نافع وحفص والكسائي وأبو جعفر (بينكم) بنصب النون) [الأنعام/194]، أي: وصلكم. وتحقيقه: أنه ضاع عنكم الأموال والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارة إلى قوله سبحانه: يوم لا ينفع مال ولا بنون [الشعراء/88]، وعلى ذلك قوله: لقد جئتمونا فرادى الآية [الأنعام/94]. و (بين) يستعمل اسما وتارة ظرفا، فمن قرأ: بينكم [الأنعام/94]، جعله اسما، ومن قرأ: بينكم جعله ظرفا غير متمكن وتركه مفتوحا، فمن الظرف قوله: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [الحجرات/1]، وقوله: فقدموا بين يدي نجواكم صدقة [المجادلة/12]، فاحكم بيننا بالحق [ص/22]، وقوله تعالى: فلما بلغا مجمع بينهما [الكهف/61]، فيجوز أن يكون مصدرا، أي: موضع المفترق. وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق [النساء/92]. ولا يستعمل (بين) إلا فيما كان له مسافة، نحو: بين البلدين، أو له عدد ما اثنان فصاعدا نحو: الرجلين، وبين القوم، ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرر، نحو: ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت/5]، فاجعل بيننا وبينك موعدا [طه/58]، ويقال: هذا الشيء بين يديك، أي: متقدما لك، ويقال: هو بين يديك أي: قريب منك، وعلى هذا قوله: ثم لآتينهم من بين أيديهم [الأعراف/17]، و له ما بين أيدينا وما خلفنا [مريم/64]، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا [يس/9]، ومصدقا لما بين يدي من التوراة [المائدة/46]، أأنزل عليه الذكر من بيننا [ص/8]، أي: من جملتنا، وقوله: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه [سبأ/31]، أي: متقدما له من الإنجيل ونحوه، وقوله: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم [الأنفال/1]، أي: راعوا الأحوال التي تجمعكم من القرابة والوصلة والمودة. ويزداد في بين (ما) أو الألف، فيجعل بمنزلة (حين)، نحو: بينما زيد يفعل كذا، وبينا يفعل كذا، قال الشاعر: - 76 - بينا يعنقه الكماة وروغة *** يوما أتيح له جريء، سلفع (البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين 1/37؛ وشمس العلوم 1/205؛ واللسان (بين) ؛ وغريب الحديث للخطابي 2/469). يقال: بان واستبان وتبين نحو عجل واستعجل وتعجل وقد بينته. قال الله سبحانه: وقد تبين لكم من مساكنهم [العنكبوت/38]، وتبين لكم كيف فعلنا بهم [إبراهيم/45]، و لتستبين سبيل المجرمين [الأنعام/55]، قد تبينا الرشد من الغي [البقرة/256]، قد بينا لكم الآيات [آل عمران/118]، و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه [الزخرف/63]، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/44]، وليبين لهم الذي يختلفون فيه [النحل/39]، فيه آيات بينات [آل عمران/97]، وقال: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات [البقرة/185]. ويقال: آية مبينة اعتبارا بمن بينها، وآية مبينة اعتبارا بنفسها، وآيات مبينات ومبينات. والبينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وسمي الشاهدان بينة لقوله عليه السلام: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (الحديث أخرجه البيهقي 8/279؛ والدارقطني 3/111؛ ولمسلم: (البينة على المدعي) وليس فيه: (واليمين... ) (انظر: صحيح مسلم رقم 1171)، وقال النووي في أربعينه: حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين، وأخرجه الدارقطني بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) وفيه ضعف، وله عدة طرق متعددة لكنها ضعيفة، انظر: كشف الخفاء 1/289)، وقال سبحانه: أفمن كان على بينة من ربه [هود/17]، وقال: ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة [الأنفال/42]، جاءتهم رسلهم بالبينات [الروم/9]. والبيان: الكشف عن الشيء، وهو أعلم من النطق؛ لأن النطق مختص بالإنسان، ويسمى ما بين به بيانا. قال بعضهم: البيان على ضربين: أحدهما بالتسخير، وهو الأشياء التي تدل على حال من الأحوال من آثار الصنعة. والثاني بالاختبار، وذلك إما يكون نطقا، أو كتابة، أو إشارة. فمما هو بيان الحال قوله: ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين [الزخرف/62]، أي: كونه عدوا بين في الحال. تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين [إبراهيم/10]. وما هو بيان بالاختبار فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون *** بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/43 - 44]، وسمي الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود إظهاله نحو: هذا بيان للناس [آل عمران/138]. وسمي ما يشرح به المجمل والمبهم من الكلام بيانا، نحو قوله: ثم إن علينا بيانه [القيامة/19]، ويقال: بينته وأبنته:إذا جعلت لهه بيانا تكشفه، نحو: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل/44]، وقال: نذير مبين [ص/70]، و إن هذا لهو البلاء المبين [الصافات/106]، ولا يكاد يبين [الزخرف/52]، أي: يبين، وهو في الخصام غير مبين [الزخرف/18].


تصفح سورة طه كاملة