تفسير كلمة تُؤْمَرونَ من سورة البقرة آية رقم 68


قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ {68}

تُكَلَّفون

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "أمر"

الأمر: الشأن، وجمعه أمور، ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئا، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، وعلى ذلك قوله تعالى: إليه يرجع الأمر كله [هود/123]، وقال: قل: إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء [آل عمران/154]، أمره إلى الله [البقرة/275] ويقال للإبداع: أمر، نحو: ألا له الخلق والأمر [الأعراف/54]، ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق وقد حمل على ذلك قوله تعالى: وأوحى في كل سماء أمرها [فصلت/12] وعلى ذلك حمل الحكماء قوله: قل: الروح من أمر ربي [الإسراء/85] أي: من إبداعه، وقوله: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل/40] فإشارة إلى إبداعه، وعبر عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: وما أمرنا إلا واحدة [القمر/50]، فعبر عن سرعة إيجاد بأسرع ما يدركه وهمنا. والأمر: التقدم باشيء سواء كان ذلك بقولهم: افعل وليفعل، أو كان ذلك بلفظ خبر نحو: والمطلقات يتربصن بأنفسهن [البقرة/228]، أو كان بإشارة أو غير ذلك، ألا ترى أنه قد سمى ما رأى إبراهيم في المنام من ذبح ابنه أمرا حيث قال: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر [الصافات/102] فسمى ما رآه في المنام من تعاطي الذبح أمرا (قال قتادة: رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق، إذا رأوا شيئا فعلوه. انظر: الدر المنثور 7/105) وقوله تعالى: وما أمر فرعون برشيد [هود/97] فعام في أقواله وأفعاله، وقوله: أتى أمر الله [النحل/1] إشارة إلى القيامة، فذكره بأعم الألفاظ، وقوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا [يوسف/18] أي: ما تأمر النفس الأمارة بالسوء. وقيل: أمر القوم: كثروا، وذلك لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لابد لهم من سائس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر: - 26 - لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** (الشطر للأفوه الأودي، وتتمته: ولا سراة إذا جهالهم سادوا وهو في الحماسة البصرية 2/69؛ وأمالي القالي 2/228؛ والاختيارين ص 77. وديوانه ص 10) وقوله تعالى: أمرنا مترفيها [الإسراء/16] أي: أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه: كثرناهم. وقال أبو عمرو: لا يقال: أمرت بالتخفيف في معنى كثرت، وإنما يقال: أمرت وآمرت. وقال أبو عبيدة: قد يقال: أمرت (راجع: مجاز القرآن 1/373؛ والغريبين 1/85؛ وتفسير القرطبي 10/233) بالتخفيف نحو: (خير المال مهرة مأمور وسكة مأبورة) (الحديث أخرجه أحمد في مسنده 3/468، وفيه: (خير مال المرء له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة). ورجال إسناده ثقات، واختلف في صحبة سويد، قال ابن حبان: يروي المراسيل لكن جاء في رواية: سمعت رسول الله يقول، ففيها إثبات السماع: انظر: الإصابة 2/101؛ ومجمع الزوائد 5/261. المأمورة: الكثيرة، والسكة: الطريقة من النخل، المأبورة: الملقحة) وفعله: أمرت. وقرئ: (أمرنا) (وهي قراءة الحسن ومجاهد وأبي عثمان النهدي وأبي رجاء وأبي العالية، وهي قراءة شاذة) أي: جعلناهم أمراء، وكثرة الأمراء في القرية الواحدة سبب لوقوع هلاكهم، ولذلك قيل: لا خير في كثرة الأمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها [الأنعام/123]، وقرئ: (آمرنا) (وهي قراءة يعقوب، ورويت عن ابن كثير وأبي عمرو وعاصم من غير طريق الطيبة. راجع: الإتحاف ص 282) بمعنى: أكثرنا. والائتمار: قبول الأمر، ويقال للتشاور: ائتمار لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به. قال تعالى: إن الملأ يأتمرون بك [القصص/20]. قال الشاعر: - 27 - وآمرت نفسي أي أمري أفعل *** (هذا عجز بيت لكعب بن زهير، وشطره الأول: أنخت قلوصي واكتلأت بعينها *** وهو في ديوانه ص 55؛ والحجة في القراءات للفارسي 1/319؛ وأساس البلاغة (كلأ) ) وقوله تعالى: لقد جئت شيئا إمرا [الكهف/71] أي: منكرا، من قولهم: أمر الأمر، أي: كبر وكثر كقولهم: استفحل الأمر. وقوله: وأولي الأمر [النساء/59] قيل: عنى الأمراء في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: الأئمة من أهل البيت (وهذا قول الشيعة)، وقيل: الآمرون بالمعروف، وقال ابن عباس رصي الله عنهما: هم الفقهاء وأهل الدين المطيعون لله. وكل هذه الأقوال صحيحة، ووجه ذلك: أن أولي الأمر الذين بهم يرتدع الناس أربعة: الأنبياء، وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى بواطنهم، والولاة، وحكمهم على ظاهر الكافة دون باطنهم، والحكماء، وحكمهم على باطن الخاصة دون الظاهر، والوعظة، وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم.