تفسير كلمة تَعْقِلُونَ من سورة البقرة آية رقم 76


وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {76}

أَفَلاَ تَعْقِلُونَ: أفَلا تُعْمِلونَ عُقولَكُمْ وتُفَكِّرونَ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عقل"

العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل، ولهذا قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: - 327 - رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع - 328 - ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع - 329 - كما لا ينفع الشمس * وضوء العين ممنوع (الأبيات في ديوانه ص 121؛ وأدب الدنيا والدين ص 15؛ وإحياء علوم الدين 1/86) وإلى الأول أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل) (الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: (إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي). قال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه 1/83؛ وحليه الأولياء 7/318؛ وكشف الخفاء 1/236) وإلى الثاني أشار بقوله: (ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى) (الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: (ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ردئ، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله) انتهى. قال العراقي: أخرجه ابن المحبر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء 1/83. قلت داود بن المحبر كذاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنفه موضوعات. مات سنة 206 هجري. انظر: تقريب التهذيب ص 200) وهذا العقل هو المعني بقوله: وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت/43]، وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول، نحو: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق (الآية: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءا صم بكم... سورة البقرة: آية 171) إلى قوله: صم بكم عمي فهم لا يعقلون (الآية: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءا صم بكم... سورة البقرة: آية 171) ونحو ذلك من الآيات، وكل موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول. وأصل العقل: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه: كفه، ومنه قيل: للحصن: معقل، وجمعه معاقل. وباعتبار عقل البعير قيل: عقلت المقتول: أعطيت ديته، وقيل: أصله أن تعقل الإبل بفناء ولي الدم، وقيل: بل بعقل الدم أن يسفك، ثم سميت الدية بأي شيء كان عقلا، وسمي الملتزمون له عاقلة، وعقلت عنه: نبت عنه في إعطاء الدية، ودية معقلة على قومه: إذا صاروا بدونه، واعتقله بالشغزبية (الشغزبية: ضرب من العقل) : إذا صرعه، واعتقل رمحه بين ركابه وساقه، وقيل: العقال: صدقة عام؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه (لو منعوني عقالا لقاتلتهم) (وقال أبو بكر هذا لما ارتدت العرب ومنعت الزكاة. وانظر: فتح الباري 3/262) ولقولهم: أخذ النقد ولم يأخذ العقال (انظر: جمهرة اللغة 3/129)، وذلك كناية عن الإبل بما يشد به، أو بالصدر، فإنه يقال: عقلته عقلا وعقالا، كما يقال: كتبت كتابا، ويسمى المكتوب كتابا، كذلك يسمى المعقول عقالا، والعقيلة من النساء والدر وغيرهما: التي تعقل، أي: تحرس وتمنع، كقولهم: علق مضنة (قال ابن منظور: ويقال: هذا الشيء علق مضنة، أي: يضن به، وجمعه أعلاق. انظر: اللسان (علق) ) لما يتعلق به، والمعقل: جبل أو حصن يعتقل به، والعقال: داء يعرض في قوائم الخيل، والعقل: اصطكاك فيها.