تفسير كلمة خَلَقَكُمْ من سورة البقرة آية رقم 21


يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21}

أوْجَدَكُمْ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ ويَكونُ خَلْقُ الله مِنَ العَدَمِ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "خلق"

الخلق أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال: خلق السموات والأرض [الأنعام/1]، أي: أبدعهما، بدلالة قوله: بديع السموات والأرض [البقرة/117]، ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: خلقكم من نفس واحدة [النساء/1]، خلق الإنسان من نطفة [النحل/4]، خلقنا الإنسان من سلالة [المؤمنون/12]، ولقد خلقناكم [الأعراف/11]، خلق الجان من مارج [الرحمن/15]، وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره: أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [النحل/17]، وأما الذي يكون بالاستحالة، فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال، كعيسى حيث قال: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني [المائدة/110]، والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين: أحدهما في معنى التقدير كقول الشاعر: - 149 - فلأت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري (البيت لزهير من قصيدة مطلعها: لمن الديار بقنة الحجر *** أقوين من حجج ومن شهر وهو في ديوانه ص 29؛ وديوان الأدب 2/123) والثاني: في الكذب نحو قوله: وتخلقون إفكا [العنكبوت/17]، إن قيل: قوله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين [المؤمنون/14]، يدل على أنه يصح أن يوصف غيره بالخلق؟ قيل: إن ذلك معناه: أحسن المقدرين، أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يبدع، فكأنه قيل: فاحسب أن ههنا مبدعين وموجدين، فالله أحسنهم إيجادا على ما يعتقدون، كما قال: خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم [الرعد/16]، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله [النساء/119]، فقد قيل: إشارة إلى ما يشوهونه من الخلقة بالخصاء، ونتف اللحية، وما يجري مجراه، وقيل معناه: يغيرون حكمه، وقوله: لا تبديل لخلق الله [الروم/30]، فإشارة إلى ما قدره وقضاه، وقيل معنى: لا تبديل لخلق الله نهى، أي: لا تغيروا خلقه الله، وقوله: وتذرون ما خلق لكم ربكم [الشعراء/166]، فكناية عن فروج النساء (قال مجاهد في الآية: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. راجع: الدر المنثور 6/317). وكل موضع استعمل الخلق في وصف الكلام فالمراد به الكذب، ومن هذا الوجه امتنع كثير من الناس من إطلاق لفظ الخلق على القرآن (قال السمين: قوله هذا يشعر بأن لا مانع من إطلاق الخلق على القرآن إلا ذلك، وليس الأمر كذلك، بل القرآن كلامه غير مخلوق. انظر عمدة الحفاظ: خلق)، وعلى هذا قوله تعالى: إن هذا إلا خلق الأولين [الشعراء/137]، وقوله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق [ص/7]، [والخلق يقال في معنى المخلوق، والخلق والخلق في الأصل واحد، كالشرب والشرب، والصرم والصرم، لكن خص الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة] (ما بينا القوسين ذكره المؤلف في الذريعة ص 39). قال تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم/4]، وقرئ: إن هذا إلا خلق الأولين (سورة الشعراء: آية 137، وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو جعفر والكسائي. انظر: الإتحاف ص 333). والخلاق: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه، قال تعالى: ما له في الآخرة من خلاق [البقرة/102]، وفلان خليق بكذا، أي: كأنه مخلوق فيه، ذلك كقولك: مجبول على كذا، أو مدعو إليه من جهة الخلق. وخلق الثوب وأخلق، وثوب خلق ومخلق وأخلاق، نحو حبل أرمام وأرمات، وتصور من خلوقة الثوب الملامسة، فقيل: جبل أخلق، وصخرة خلقاء، وخلقت الثوب: ملسته، واخلولق السحاب منه، ، أو من قولهم: هو خليق بكذا، والخلوق: ضرب من الطيب.


تصفح سورة البقرة كاملة