تفسير كلمة ذَلِكَ من سورة البقرة آية رقم 52


ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {52}

بَعْدِ ذَلِكَ: بعد ذلك العمل المنكر وبعد عودة موسى

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "ذلك"

ذو على وجهين: أحدهما: يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنى ويجمع، ويقال في المؤنث: ذات، وفي التثنية: ذواتا، وفي الجمع: ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافا، قال: ولكن الله ذو فضل [البقرة/251]، وقال: ذو مرة فاستوى [النجم/6]، وذي القربى [البقرة/83]، ويؤت كل ذي فضل فضله [هود/3]، ذوي القربى واليتامى [البقرة/177]، إنه عليم بذات الصدور [الأنفال/43]، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال [الكهف/18]، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم [الأنفال/7]، وقال: ذواتا أفنان [الرحمن/48]، وقد استعار أصحاب المعاني الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرا كان أو عرضا، واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النفس والخاصة، فقالوا: ذاته، ونفسه وخاصته، وليس ذلك من كلام العرب (انظر ما كتبناه في ذلك في تحقيقنا كتاب (وضح البرهان في مشكلات القرآن) للنيسابوري عند قوله تعالى: حتى عاد كالعرجون القديم سورة يس: آية 39). والثاني في لفظ ذو: لغة لطيئ، يستعملونه استعمال الذي، ويجعل في الرفع، والنصب والجر، والجمع، والتأنيث على لفظ واحد (وفي ذلك قال ابن مالك في ألفيته: ومن وما وأل تساوي ما ذكر *** وهكذا (ذو) عند طيىء شهر)، نحو: - 171 - وبئري ذو حفرت وذو طويت *** (هذا عجز بيت، وشطره: فإن الماء ماء أبي وجدي وهو لسنان بن فحل الطائي. والبيت في الفرائد الجديدة للسيوطي 1/184؛ وشفاء العليل في إيضاح التسهيل 1/227؛ وشرح المفصل 3/147؛ والأمالي الشجرية 2/306) أي: التي حفرت والتي طويت، وأما (ذا) في (هذا) فإشارة إلى شيء محسوس، أو معقول، ويقال في المؤنث: ذه وذي وتا، فيقال: هذه وهذي، وهاتا، ولا تثنى منهن إلا هاتا، فيقال: هاتان. قال تعالى: أرأيتك هذا الذي كرمت علي [الإسراء/62]، هذا ما توعدون [ص/53]، هذا الذي كنتم به تستعجلون [الذاريات/14]، إن هذان لساحران [طه/63]، إلى غير ذلك هذه النار التي كنتم بها تكذبون [الطور/14]، هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون [الرحمن/43]، ويقال بإزاء هذا في المستبعد بالشخص أو بالمنزلة: (ذاك) و (ذلك) قال تعالى: آلم ذلك الكتاب [البقرة/1 - 2]، ذلك من آيات الله [الكهف/17]، ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى [الأنعام/131]، إلى غير ذلك. وقولهم: (ماذا) يستعمل على وجهين: أحدهما. أن يسكون (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، والآخر: أن يكون (ذا) بمنزلة (الذي)، فالأول نحو قولهم: عما ذا تسأل؟ فلم تحذف الألف منه لما لم يكن ما بنفسه للاستفهام، بل كان مع ذا اسما واحدا، وعلى هذا قول الشاعر: - 172 - دعي ماذا علمت سأتقيه (هذا شطر بيت، وعجزه: ولكن بالمغيب نبئيني وهو من شواهد سيبويه 1/405؛ ولم يعرف قائله، وهو في الخزانة 6/142؛ واللسان (ذا) ؛ وهمع الهوامع 1/84) أي: دعي شيئا علمته. وقوله تعالى: ويسئلونك ماذا ينفقون [البقرة/219] ؛ فإن من قرأ: قل العفو (وبها قرأ جميع القراء إلا أبا عمرو. انظر: الإتحاف ص 157) بالنصب فإنه جعل الاسمين بمنزلة اسم واحد، كأنه قال: أي شيء ينفقون؟ ومن قرأ: قل العفو (وهي قراءة أبي عمرو) بالرفع، فإن (ذا) بمنزلة الذي، وما للاستفهام أي: ما الذي ينفقون؟ وعلى هذا قوله تعالى: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين [النحل/24]، و (أساطير) بالرفع والنصب (وقراءة الرفع هي الصحيحة المتواترة. وبها قرأ القراء العشر، أما قراءة النصب فهي شاذة).