تفسير كلمة سُبْحَانَهُ من سورة البقرة آية رقم 116


وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ {116}

تنزيها له تعالى عن اتّخاذ الولد


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "سبح"

السبح: المر السريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سبح سبحا وسباحة، واستعير لمر النجوم في الفلك نحو: وكل في فلك يسبحون [الأنبياء/33]، ولجري الفرس نحو: والسابحات سبحا [النازعات/3]، ولسرعة الذهاب في العمل نحو: إن لك في النهار سبحا طويلا [المزمل/7]، والتسبيح: تنزيه الله تعالى. وأصله: المر السريع في عبادة الله تعالى، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الإبعاد في الشر، فقيل: أبعده الله، وجعل التسبيح عاما في العبادات قولا كان، أو فعلا، أو نية، قال: فلولا أنه كان من المسبحين [الصافات/143]، قيل: من المصلين (غريب القرآن لابن قتيبة ص 374)، والأولى أن يحمل على ثلاثتها، قال: ونحن نسبح بحمدك [البقرة/30]، وسبح بحمد ربك بالعشي [غافر/55]، فسبحه وأدبار السجود [ق/40]، قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون [القلم/28]، أي: هلا تعبدونه وتشكرونه، وحمل ذلك على الاستثناء، وهو أن يقول: إن شاء الله، ويدل على ذلك قوله: إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون [القلم/17]، وقال: تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء/44]، فذلك نحو قوله: ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها [الرعد/15]، ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض [النحل/49]، فذلك يقتضي أن يكون تسبيحا على الحقيقة، وسجودا له على وجه لا نفقهه، بدلالة قوله: ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء/44]، ودلالة قوله: ومن فيهن [الإسراء/44]، بعد ذكر السموات والأرض، ولا يصح أن يكون تقديره: يسبح له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، لأن هذا مما نفقهه، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره، ثم يعطف عليه بقوله: ومن فيهن والأشياء كلها تسبح له وتسجد، بعضها بالتسخير، وبعضها بالاختيار، ولا خلاف أن السموات والأرض والدواب مسبحات بالتسخير، من حيث إن أحوالها تدل على حكمة الله تعالى، وإنما الخلاف في السموات والأرض هل تسبح باختيار؟ والآية تقتضي ذلك بما ذكرت من الدلالة، و (سبحان) أصله مصدر نحو: غفران، قال: فسبحان الله حين تمسون [الروم/17]، و سبحانك لا علم لنا [البقرة/ 32]، وقول الشاعر: - 224 - سبحان من علقمة الفاخر (هذا عجز بيت، وشطره: أقول لما جاءني فخره وهو للأعشى في ديوانه ص 93؛ والمجمل 2/482؛ والجمهرة 1/222) قيل: تقديره سبحان علقمة على طريق التهكم، فزاد فيه (من) ردا إلى أصله (قال البغدادي: وزعم الراغب أن (سبحان) في هذا البيت مضاف إلى علقمة، ومن زائدة، وهو ضعيف لغة وصناعة، أما الأول: فلأن العرب لا تستعمله إلا إلى الله، أو إلى ضميره، أو إلى الرب، ولم يسمع إضافته إلى [استدراك] غيره. أما صناعة: فلأن (من) لا تزاد في الواجب عند البصريين. انظر: خزانة الأدب 7/245)، وقيل: أراد سبحان الله من أجل علقمة، فحذف المضاف إليه. والسبوح القدوس من أسماء الله تعالى (انظر: الأسماء والصفات ص 54 - 55)، وليس في كلامهم فعول سواهما (قال ابن دريد: باب ما جاء على فعول، فألحق بالخماسي للزوائد والتضعيف الذي فيه، وهو مفتوح كله إلا السبوح، والقدوس، والذروح، وهو الطائر السم. انظر: جمهرة اللغة 3/397. - وقال أبو زيد: تقول العرب: سبوح وقدوس وسمور وذروح، وقد قالوا بالضم، وهو أعلى، وذروح: واحد الذراريح، وهي الدود الصغار. انظر: الجمهرة 3/463؛ وديوان الأدب 1/232)، وقد يفتحان، نحو: كلوب وسمور، والسبحة: والتسبيح، وقد يقال للخرزات التي بها يسبح: سبحة.