تفسير كلمة طَيِّبَاتِ من سورة البقرة آية رقم 57


وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {57}

الطَيِّباتُ: مَا تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "طيب"

يقال: طاب الشيء يطيب طيبا، فهو طيب. قال تعالى: فانكحوا ما طاب لكم [النساء/3]، فإن طبن لكم [النساء/4]، وأصل الطيب: ما تستلذه الحواس، وما تستلذه النفس، والطعام الطيب في الشرع: ما كان متناولا من حيث ما يجوز، ومن المكان الذي يجوز فإنه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم، وإلا فإنه - وإن كان طيبا عاجلا - لم يطب آجلا، وعلى ذلك قوله: كلو طيبات ما رزقكم [البقرة/172]، فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا [النحل/114]، لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [المائدة/87]، كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [المؤمنون/51]، وهذا هو المراد بقوله: والطيبات من الرزق [الأعراف/32]، وقوله: اليوم أحل لكم الطيبات [المائدة/5]، قيل: عنى بها الذبائح، وقوله: ورزقكم من الطيبات [غافر/64]، إشارة إلى الغنيمة. والطيب من الإنسان: من تعرى من نجاسه الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال، وإياهم قصد بقوله: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين [النحل/32]، وقال: طبتم فادخلوها خالدين [الزمر/73]، وقال تعالى: هب لي من لدنك ذرية طيبة [آل عمران/38]، وقال تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب [الأنفال/37]، وقوله: والطيبات للطيبين [النور/26]، تنبيه أن الأعمال الطيبة تكون من الطيبين، كما روي: (المؤمن أطيب من عمله، والكافر أخبث من عمله) (الحديث تقدم في مادة (خبث) ). قال تعالى: ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب [النساء/2]، أي: الأعمال السيئة بالأعمال الصالحة، وعلى هذا قوله تعالى: مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة [إبراهيم/24]، وقوله: إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر/10]، ومساكن طيبة [التوبة/72]، أي: طاهرة ذكية مستلذة. وقوله: بلدة طيبة ورب غفور [سبأ/15]، وقيل: أشار إلى الجنة، وإلى جوار رب العزة، وأما قوله: والبلد الطيب [الأعراف/58]، إشارة إلى الأرض الزكية، وقوله: صعيدا طيبا [المائدة/6]، أي: ترابا لا نجاسة به، وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من التطيب والتطهر. وقيل الأطيبان الأكل والنكاح (انظر: البصائر 3/532؛ والمجمل 2/590. وقيل: هما النوم والنكاح، وقيل: التمر واللبن. انظر: جنى الجنتين ص 20)، وطعام مطيبة للنفس: إذا طابت به النفس، ويقال للطيب: طاب، وبالمدينة تمر يقال له: طاب، وسميت المدينة طيبة، وقوله: طوبى لهم [الرعد/29]، قيل: هو اسم شجرة في الجنة (وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله، طوبى لمن رآك، وآمن بك. قال: طوبى لمن رآني وآمن، وطوبى لمن آمن بي، ولم يرني. قال رجل: وما طوبى؟ قال: (شجرة في الجنة مسيرة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) انظر: الدر المنثور 4/644؛ والمسند 3/71)، وقيل: بل إشارة إلى كل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء، وعز بلا زوال، وغنى بلا فقر.