تفسير كلمة عَرَضَهُمْ من سورة البقرة آية رقم 31


وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31}

أيْ عرض ذريّة آدم أو أجناس الخلق أو أسماء المسمّيات


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عرض"

العرض: خلاف الطول، وأصله أن يقال في الأجسام، ثم يستعمل في غيرها كما قال: فذو دعاء عريض [فصلت/51]. والعرض خص بالجانب، وأعرض الشيء: بدا عرضه، وعرضت العود على الإناء، واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض، واعترض الفرس في مشيه، وفيه عرضيه. أي: اعتراض في مشيه من الصعوبة، وعرضت الشيء على البيع، وعلى فلان، ولفلان نحو: ثم عرضهم على الملائكة [البقرة/31]، وعرضوا على ربك صفا [الكهف/48]، إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب/ 72]، وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا [الكهف/100]، ويوم يعرض الذين كفروا على النار [الأحقاف/20]. وعرضت الجند، والعارض: البادي عرضه، فتارة يخص بالسحاب نحو: هذا عارض ممطرنا [الأحقاف/24]، وبما يعرض من السقم، فيقال: به عارض من سقم، وتارة بالخد نحو: أخذ من عارضيه، وتارة بالسن، ومنه قيل: العوارض للثنايا التي تظهر عند الضحك، وقيل: فلان شديد العارضة (انظر: البصائر 4/44. ومنه سمى ابن العربي شرحه للترمذي: عارضة الأحوذي) كناية عن جودة البيان، وبعير عروض: يأكل الشوك بعارضيه، والعرضة: ما يجعل معرضا للشيء. قال تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم [البقرة/224]، وبعير عرضة للسفر. أي: يجعل معرضا له، وأعرضك أظهر عرضه. أي: ناحيته. فإذا قيل: أعرض لي كذا. أي: عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني، فمعناه: ولى مبديا عرضه. قال: ثم أعرض عنها [السجدة/22]، فأعرض عنهم وعظهم [النساء/63]، وأعرض عن الجاهلين [الأعراف/199]، ومن أعرض عن ذكري [طه/ 124]، وهم عن آياتها معرضون [الأنبياء/32]، وربما حذف عنه استغناء عنه نحو: إذا فريق منهم معرضون [النور/48]، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [آل عمران/23]، فأعرضوا فأرسلنا عليهم [سبأ/ 16]، وقوله: وجنة عرضها السموات والأرض [آل عمران/133]، فقد قيل: هو العرض الذي خلاف الطول، وتصور ذلك على أحد وجوه: إما أن يريد به أن يكون عرضها في النشأة الآخرة كعرض السموات والأرض في النشأة الأولى، وذلك أنه قد قال: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات [إبراهيم/48]، ولا يمتنع أن تكون السموات والأرض في النشأة الآخرة أكبر مما هي الآن. وروي أن يهوديا سأل عمر رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار (أخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت قوله: وجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا لبس كل شيء فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله. قال: فكذلك حيث شاء الله. المستدرك 1/36. - وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن: جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار، وإذا جاء النهار فأين الليل؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة. راجع: الدر المنثور 2/315). وقيل: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرة، كما يقال في ضده: الدنيا على فلان حلقة خاتم، وكفة حابل، وسعة هذه الدار كسعة الأرض، وقيل: العرض ههنا من عرض البيع (وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني محمد بن بحر. قال بيان الحق النيسابوري: وتعسف ابن بحر في تأويلها فقال: عرضها: ثمنها لو جاز بيعها، من المعاوضة في عقود البياعات. انظر: وضح البرهان بتحقيقنا 1/251)، من قولهم: بيع كذا بعرض: إذا بيع بسلعة، فمعنى عرضها أي: بدلها وعوضها، كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا. والعرض: ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم، وقيل: الدنيا عرض حاضر (انظر البصائر 4/46، وعمدة الحفاظ: عرض)، تنبيها أن لا ثبات لها. قال تعالى: تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة [الأنفال/ 67]، وقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله [الأعراف/169]، وقوله: لو كان عرضا قريبا [التوبة/42]، أي: مطلبا سهلا. والتعريض: كلام له وجهان من صدق وكذب، أو ظاهر وباطن. قال: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [البقرة/ 235]، قيل: هو أن يقول لها: أنت جميلة، ومرغوب فيك ونحو ذلك.


تصفح سورة البقرة كاملة