تفسير كلمة عُمْيٌ من سورة البقرة آية رقم 18


صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ {18}

ضَالّون لا يَهتدونَ لِلْحَقِّ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عمي"

العمى يقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي الثاني: أعمى وعم، وعلى الأول قوله: أن جاءه الأعمى [عبس/2]، وعلى الثاني ما ورد من ذم العمى في القرآن نحو قوله: صم بكم عمي [البقرة/ 18]، وقوله: فعموا وصموا [المائدة/71]، بل لم يعد افتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة عمى حتى قال: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج/46]، وعلى هذا قوله: الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري [الكهف/101]، وقال: ليس على الأعمى حرج [الفتح/ 17]، وجمع أعمى عمي وعميان. قال تعالى: بكم عمي [البقرة/171]، صما وعميانا [الفرقان/73]، وقوله: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا [الإسراء/72]، فالأول اسم الفاعل، والثاني قيل: هو مثله، وقيل: هو أفعل من كذا، الذي للتفضيل لأن ذلك من فقدان البصيرة، ويصح أن يقال فيه: ما أفعله، وهو أفعل من كذا، ومنهم من حمل قوله تعالى: ومن كان في هذه أعمى [الإسراء/72]، على عمى البصيرة والثاني على عمى البصر، وإلى هذا ذهب أبو عمرو (هو أبو عمرو بن العلاء توفي سنة 154. انظر: ترجمته في بغية الوعاة 2/231؛ وانظر: قول أبي عمرو هذا في البصائر 4/103. قال الدمياطي: وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول محضة بكونه ليس أفعل تفضيل، وفتح الثاني لأنه للتفضيل، ولذا عطف عليه: و (أضل). انظر: الإتحاف ص 285. وهو عكس ما قاله الراغب)، فأمال الأولى لما كان من عمى القلب، وترك الإمالة في الثاني لما كان اسما، والاسم أبعد من الإمالة. قال تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى [فصلت/44]، إنهم كانوا قوما عمين [الأعراف/64]، وقوله: ونحشره يوم القيامة أعمى [طه/124]، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما [الإسراء/97]، فيحتمل لعمى البصر والبصيرة جميعا. وعمي عليه، أي: اشتبه حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى قال: فعميت عليهم الأنباء يومئذ [القصص/66]، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم [هود/28]. والعماء: السحاب، والعماء: الجهالة، وعلى الثاني حمل بعضهم ما روي أنه [قيل: أين كان ربنا قبل أن خلق السماء والأرض؟ قال: في عماء تحته عماء وفوقه عماء] (الحديث عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء). أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، وقال ابن العربي: قد رويناه من طرقه، وهو صحيح سندا ومتنا. انظر: عارضة الأحوذي 11/273؛ وأخرجه أحمد في المسند 4/11؛ وابن ماجه 1/64)، قال: إن ذلك إشارة إلى أن تلك حالة تجهل، ولا يمكن الوقوف عليها، والعمية: الجهل، والمعامي: الأغفال من الأرض التي لا أثر بها.