تفسير كلمة فَاعْفُواْ من سورة البقرة آية رقم 109


وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {109}

فَتَجاوَزوا

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عفو"

العفو: القصد لتناول الشيء، يقال: عفاه واعتفاه، أي: قصده متناولا ما عنده، وعفت الريح الدار: قصدتها متناولة آثارها، وبهذا النظر قال الشاعر: - 323 - أخذ البلى أبلادها (عجز بيت لعدي بن الرقاع العاملي في ديوانه ص 49، وتمامه: [عرف الديار توهما فاعتادها * من بعدما أخذ البلى أبلادها] وهو في تفسير الراغب ورقة 52) وعفت الدار: كأنها قصدت هي البلى، وعفا النبت والشجر: قصد تناول الزيادة، كقولك أخذ النبت في الزيادة، وعفوت عنه: قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه، فالمفعول في الحقيقة متروك، و (عن) متعلق بمضمر، فالعفو: هو التجافي عن الذنب. قال تعالى: فمن عفا وأصلح [الشورى/40]، وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة/237]، ثم عفونا عنكم [البقرة/52]، إن نعف عن طائفة منكم [التوبة/66]، فاعف عنهم [آل عمران/159]، وقوله: خذ العفو [الأعراف/199]، أي: ما يسهل قصده وتناوله، وقيل معناه: تعاط العفو عن الناس، وقوله: ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو [البقرة/219]، أي: ما يسهل إنفاقه. وقولهم: أعطى عفوا، فعفوا مصدر في موضع الحال، أي: أعطى وحاله حال العافي، أي: القاصد للتناول إشارة إلى المعنى الذي عد بديعا، وهو قول الشاعر: - 324 - كأنك تعطيه الذي أنت سائله (العجز لزهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها حصن بن حذيفة بن بدر، وشطره: تراه إذا ما جئتهه متهللا وهو في ديوانه ص 68) وقولهم في الدعاء: (أسألك العفو والعافية) (عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي) أخرجه البزار وفيه يونس بن خباب، وهو ضعيف. وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من دعوة أحب إلى الله أن يدعو بها عبد من أن يقول: اللهم إني أسألك المعافة والعافية في الدنيا والآخرة). أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، لكن العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ. انظر: مجمع الزوائد 10/178) أي: ترك العقوبة والسلامة، وقال في وصفه تعالى: إن الله كان عفوا غفورا [النساء/43]، وقوله: (وما أكلت العافية فصدقة) (الحديث أخرجه أحمد 3/338، وقد تقدم في مادة (صدق) ) أي: طلاب الرزق من طير ووحش وإنسان، وأعفيت كذا، أي: تركته يعفو ويكثر، ومنه قيل: (أعفوا اللحى) (الحديث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعفوا اللحى وحفوا الشوارب). أخرجه أحمد 2/52، ورجاله ثقات) والعفاء: ما كثر من الوبر والريش، والعافي: ما يرده مستعير القدر من المرق في قدره.