تفسير كلمة فَرَقْنَا من سورة البقرة آية رقم 50


وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ {50}

فَصَلْنا لكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "فرق"

الفرق يقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتبارا بالانشقاق، والفرق يقال اعتبارا بالانفصال. قال تعالى: وإذ فرقنا بكم البحر [البقرة/50]، والفرق: القطعة المنفصلة، ومنه: الفرقة للجماعة المتفردة من الناس، وقيل: فرق الصبح، وفلق الصبح. قال: فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم [الشعراء/ 63]، والفريق: الجماعة المتفرقة عن آخرين، قال: وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب [آل عمران/78]، ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون [البقرة/ 87]، فريق في الجنة وفريق في السعير [الشورى/7]، إنه كان فريق من عبادي [المؤمنون/109]، أي الفريقين [مريم/73]، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم [البقرة/85]، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق [البقرة/146]، وفرقت بين الشيئين: فصلت بينهما سواء كان ذلك بفصل يدركه البصر، أو بفصل تدركه البصيرة. قال تعالى: فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين [المائدة/ 25]، وقوله تعالى: فالفارقات فرقا [المرسلات/4]، يعني: الملائكة الذين يفصلون بين الأشياء حسبما أمرهم الله، وعلى هذا قوله: فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان/4]، وقيل: عمر الفاروق رضي الله عنه لكونه فارقا بين الحق والباطل، وقوله: وقرآنا فرقناه [الإسراء/106]، أي: بينا فيه الأحكام وفصلناه. وقيل: (فرقناه) أي: أنزلناه مفرقا، والتفريق أصله للتكثير، ويقال ذلك في تشتيت الشمل والكلمة. نحو: يفرقون به بين المرء وزوجه [البقرة/ 102]، فرقت بين بني إسرائيل [طه/94]، وقوله: لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة/285]، وقوله: لا نفرق بين أحد منهم [البقرة/136]، إنما جاز أن يجعل التفريق منسوبا إلى (أحد) من حيث إن لفظ (أحد) يفيد في النفي، وقال: إن الذين فرقوا دينهم [الأنعام/159]، وقرئ: فارقوا (وبها قرأ حمزة والكسائي. من المفارقة، وهي الترك. انظر: الإتحاف ص 220) والفراق والمفارقة تكون بالأبدان أكثر. قال: هذا فراق بيني وبينك [الكهف/ 78]، وقوله: وظن أنه الفراق [القيامة/28]، أي: غلب على قلبه أنه حين مفارقته الدنيا بالموت، وقوله: ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله [النساء/ 150]، أي: يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرسل خلاف ما أمرهم الله به. وقوله: ولم يفرقوا بين أحد منهم [النساء/152]، أي: آمنوا برسل الله جميعا، والفرقان أبلغ من الفرق، لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل، وتقديره كتقدير: رجل قنعان: يقنع به في الحكم، وهو اسم لا مصدر فيما قيل، والفرق يستعمل في ذلك وفي غيره، وقوله: يوم الفرقان [الأنفال/41]، أي: اليوم الذي يفرق فيه بين الحق والباطل، والحجة والشبهة، وقوله: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [الأنفال/29]، أي: نورا وتوفيقا على قلوبكم يفرق به بين الحق والباطل (وهو قول ابن جريج وابن زيد. انظر: روح المعاني 9/196)، فكان الفرقان ههنا كالسكينة والروح في غيره، وقوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان [الأنفال/41]، قيل: أريد به يوم بدر (وهو قول ابن عباس وابن مسعود. انظر: الدر المنثور 4/71) ؛ فإنه أول يوم فرق فيه بين الحق والباطل، والفرقان: كلام الله تعالى؛ لفرقه بين الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والصالح والطالح في الأعمال، وذلك في القرآن والتوراة والإنجيل، قال: وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان [البقرة/53]، ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان [الأنبياء/48]، تبارك الذي نزل الفرقان [الفرقان/1]، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينا من الهدى والفرقان [البقرة/185]. والفرق: تفرق القلب من الخوف، واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصدع والشق فيه. قال تعالى: ولكنهم قوم يفرقون [التوبة/56]، ويقال: رجل فروق وفروقة، وامرأة كذلك، ومنه قيل: للناقة التي تذهب في الأرض نادة من وجع المخاض: فارق وفارقة (انظر: المجمل 3/718)، وبها شبه السحابة المنفردة فقيل: فارق، والأفرق من الديك: ما عرفه مفروق، ومن الخيل: ما أحد وركيه أرفع من الآخر، والفريقة: تمر يطبخ بحلبة، والفروقة: شحم الكليتين.