تفسير كلمة قَالَ من سورة طه آية رقم 19


قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى {19}

تَكلَّمَ أو أوحى


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "قول"

القول والقيل واحد. قال تعالى: ومن أصدق من الله قيلا [النساء/122]، والقول يستعمل على أوجه: أظهرها أن يكون للمركب من الحروف المبرز بالنطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك: زيد، وخرج. والمركب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قولا، كما قد تسمى القصيدة والخطبة ونحوهما قولا. الثاني: يقال للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ: قول، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله [المجادلة/ 8]. فجعل ما في اعتقادهم قولا. الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة. الرابع: يقال للدلالة على الشيء نحو قول الشاعر: - 377 - امتلأ الحوض وقال قطني * (الرجز لم يعرف قائله، وتتمته: مهلا رويدا قد ملأت بطني وهو في اللسان (قول) ؛ والخصائص 1/23؛ والمحكم 6/347) الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يقول بكذا. السادس: يستعمله المنطقيون دون غيرهم في معنى الحد، فيقولون: قول الجوهر كذا، وقول العرض كذا، أي: حدهما. السابع: في الإلهام نحو: قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب [الكهف/86] فإن ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: قالتا أتينا طائعين [فصلت/11] إن ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما [الأنبياء/69]، وقوله: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران/167] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحة اعتقا كما ذكر في الكتابة باليد (النقل هذا حرفيا في البصائر 4/304)، فقال تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله [البقرة/79]، وقوله: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون [يس/7] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وتمت كلمة ربك [الأعراف/137] وقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس/96] وقوله: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون [مريم/34] فإنما سماه قول الحق تنبيها على ما قال: إن مثل عيسى عند الله [آل عمران/59] (الآية: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) إلى قوله: ثم قال له كن فيكون وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء/171] وقوله: إنكم لفي قول مختلف [الذاريات/8] أي: لفي أمر من البعث، فسماه قولا؛ فإن المقول فيه يسمى قولا، كما أن المذكور يسمى ذكرا وقوله: إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون [الحاقة/40 - 41] فقد نسسب القول إلى الرسول، وذلك أن القول الصادر إليك عن الرسول يبلغه إليك عن مرسل له، فيصح أن تنسبه تارة إلى الرسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصح على هذا أن ينسب الشعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصح أن يقال للشعر: هو قول الراوي. ولا يصح أن يقال هو: شعره وخطبته؛ لأن الشعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصورة ليس للراوي فيها شيء. والقول هو قول الراوي كما هو قول المروي عنه. وقوله تعالى: إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون [البقرة/156] لم يرد به القول المنطقي فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للسان: المقول، ورجل مقول: منطيق، وقوال وقوالة كذلك. والقيل: الملك من ملوك حمير سموه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه متقيلا لأبيه. ويقال: تقيل فلان أباه، وعلى هذا النحو سموا الملك بعد الملك تبعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أقوال نحو: ميت وأموات، والأصل قيل نحو: ميت، أصله: ميت فخفف. وإذا قيل: أقيال فذلك نحو: أعياد، وتقيل أباه نحو: تعبد، واقتال قولا: قال ما اجتر به إلى نفسه خيرا أو شرا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر: - 378 - تأبى حكومة المقتال (البيت: ولمثل الذي جمعت من العد * ة تأبى حكومة المقتال وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال * وسؤالي فهل ترد سؤالي وهو في ديوانه ص 168؛ واللسان (قال) ؛ والمعاني الكبير 2/924) والقال والقالة: ما ينشر من القول. قال الخليل: يوضع القال موضع القائل (وعبارة الخليل: والقالة تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالها). أي: قائلها. انظر: العين 5/213). فيقال: أنا قال كذا، أي: قائله.


تصفح سورة طه كاملة