تفسير كلمة قُلْ من سورة البقرة آية رقم 120


وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ {120}

تَكَلَّمْ مُخاطِباً

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "قول"

القول والقيل واحد. قال تعالى: ومن أصدق من الله قيلا [النساء/122]، والقول يستعمل على أوجه: أظهرها أن يكون للمركب من الحروف المبرز بالنطق، مفردا كان أو جملة، فالمفرد كقولك: زيد، وخرج. والمركب، زيد منطلق، وهل خرج عمرو، ونحو ذلك، وقد يستعمل الجزء الواحد من الأنواع الثلاثة أعني: الاسم والفعل والأداة قولا، كما قد تسمى القصيدة والخطبة ونحوهما قولا. الثاني: يقال للمتصور في النفس قبل الإبراز باللفظ: قول، فيقال: في نفسي قول لم أظهره. قال تعالى: ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله [المجادلة/ 8]. فجعل ما في اعتقادهم قولا. الثالث: للاعتقاد نحو فلان يقول بقول أبي حنيفة. الرابع: يقال للدلالة على الشيء نحو قول الشاعر: - 377 - امتلأ الحوض وقال قطني * (الرجز لم يعرف قائله، وتتمته: مهلا رويدا قد ملأت بطني وهو في اللسان (قول) ؛ والخصائص 1/23؛ والمحكم 6/347) الخامس: يقال للعناية الصادقة بالشيء، كقولك: فلان يقول بكذا. السادس: يستعمله المنطقيون دون غيرهم في معنى الحد، فيقولون: قول الجوهر كذا، وقول العرض كذا، أي: حدهما. السابع: في الإلهام نحو: قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب [الكهف/86] فإن ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهاما فسماه قولا. وقيل في قوله: قالتا أتينا طائعين [فصلت/11] إن ذلك كان بتسخير من الله تعالى لا بخطاب ظاهر ورد عليهما، وكذا قوله تعالى: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما [الأنبياء/69]، وقوله: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم [آل عمران/167] فذكر أفواههم تنبيها على أن ذلك كذب مقول، لا عن صحة اعتقا كما ذكر في الكتابة باليد (النقل هذا حرفيا في البصائر 4/304)، فقال تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله [البقرة/79]، وقوله: لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون [يس/7] أي: علم الله تعالى بهم وكلمته عليهم كما قال تعالى: وتمت كلمة ربك [الأعراف/137] وقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون [يونس/96] وقوله: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون [مريم/34] فإنما سماه قول الحق تنبيها على ما قال: إن مثل عيسى عند الله [آل عمران/59] (الآية: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) إلى قوله: ثم قال له كن فيكون وتسميته قولا كتسميته كلمة في قوله: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء/171] وقوله: إنكم لفي قول مختلف [الذاريات/8] أي: لفي أمر من البعث، فسماه قولا؛ فإن المقول فيه يسمى قولا، كما أن المذكور يسمى ذكرا وقوله: إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون [الحاقة/40 - 41] فقد نسسب القول إلى الرسول، وذلك أن القول الصادر إليك عن الرسول يبلغه إليك عن مرسل له، فيصح أن تنسبه تارة إلى الرسول، وتارة إلى المرسل، وكلاهما صحيح. فإن قيل: فهل يصح على هذا أن ينسب الشعر والخطبة إلى راويهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصح أن يقال للشعر: هو قول الراوي. ولا يصح أن يقال هو: شعره وخطبته؛ لأن الشعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصة، وتلك الصورة ليس للراوي فيها شيء. والقول هو قول الراوي كما هو قول المروي عنه. وقوله تعالى: إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون [البقرة/156] لم يرد به القول المنطقي فقط بل أراد ذلك إذا كان معه اعتقاد وعمل. ويقال للسان: المقول، ورجل مقول: منطيق، وقوال وقوالة كذلك. والقيل: الملك من ملوك حمير سموه بذلك لكونه معتمدا على قوله ومقتدى به، ولكونه متقيلا لأبيه. ويقال: تقيل فلان أباه، وعلى هذا النحو سموا الملك بعد الملك تبعا، وأصله من الواو، لقولهم في جمعه: أقوال نحو: ميت وأموات، والأصل قيل نحو: ميت، أصله: ميت فخفف. وإذا قيل: أقيال فذلك نحو: أعياد، وتقيل أباه نحو: تعبد، واقتال قولا: قال ما اجتر به إلى نفسه خيرا أو شرا. ويقال ذلك في معنى احتكم قال الشاعر: - 378 - تأبى حكومة المقتال (البيت: ولمثل الذي جمعت من العد * ة تأبى حكومة المقتال وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: ما بكاء الكبير بالأطلال * وسؤالي فهل ترد سؤالي وهو في ديوانه ص 168؛ واللسان (قال) ؛ والمعاني الكبير 2/924) والقال والقالة: ما ينشر من القول. قال الخليل: يوضع القال موضع القائل (وعبارة الخليل: والقالة تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالها). أي: قائلها. انظر: العين 5/213). فيقال: أنا قال كذا، أي: قائله.