تفسير كلمة كَذَّبْتُمْ من سورة البقرة آية رقم 87


وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ {87}

كَذَّبْتُم فريقاً: نَسَبْتُم إليهم الكَذِبَ، أو لم تُؤْمِنُوا بهم

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كذب"

قد تقدم القوم في الكذب مع الصدق (راجع: مادة (صدق) )، وأنه يقال في المقال والفعال، قال تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون [النحل/ 105]، وقوله: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون/1] وقد تقدم أنه كذبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، ومقالهم كان صدقا، وقوله: ليس لوقعتها كاذبة [الواقعة/2] فقد نسب الكذب إلى نفس الفعل، كقولهم: فعلة صادقة، وفعلة كاذبة، قوله: ناصية كاذبة [العلق/16]، يقال: رجل كاذب وكذوب وكذبذب وكيذبان. كل ذلك للمبالغة، ويقال: لا مكذوبة، أي: لا أكذبك، وكذبتك حديثا، قال تعالى: الذين كذبوا الله ورسوله [التوبة/90]، ويتعدى إلى مفعولين نحو: صدق في قوله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح/27]. يقال: كذبه كذبا وكذابا، وأكذبته: وجذته كاذبا، وكذبته: نسبته إلى الكذب صادقا كان أو كاذبا، وما جاء في القرآن ففي تكذيب الصادق نحو: كذبوا بآياتنا [آل عمران/11]، رب انصرني بما كذبون [المؤمنون/ 26]، بل كذبوا بالحق [ق/5]، كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا [القمر/ 9]، كذبت ثمود وعاد بالقارعة [الحاقة/4]، وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح [الحج/42]، وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم [فاطر/25]، وقال: فإنهم لا يكذبونك [الأنعام/33] وقرئ بالتخفيف والتشديد (قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، والباقون بالتشديد. انظر: الإتحاف ص 207)، ومعناه: لا يجدونك كاذبا ولا يستطيعون أن يثبتوا كذبك، وقوله: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف/110] أي: علموا أنهم تلقوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، ف (كذبوا) نحو: فسقوا وزنوا وخطئوا: إذا نسبوا إلى شيء من ذلك، وذلك قوله: فقد كذبت رسل من قبلك [فاطر/4] وقوله: فكذبوا رسلي [سبأ/45]، وقوله: إن كل إلا كذب الرسل [ص/14]، وقرئ: كذبوا (وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: الإتحاف ص 268) بالتخفيف. من قولهم: كذبتك حديثا. أي: ظن المرسل إليهم أن المرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، وإنما ظنوا ذلك من إمهال الله تعالى إياهم وإملائه لهم، وقوله: لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا [عم/35] الكذاب: التكذيب. والمعنى: لا يكذبون فيكذب بعضهم بعضا، ونفي التكذيب عن الجنة يقتضي نفي الكذب عنها، وقرئ: كذابا (وهي قراءة الكسائي. انظر: الإتحاف ص 431) من المكاذبة. أي: لا يتكاذبون تكاذب الناس في الدنيا، يقال: حمل فلان على قرنه فكذب (قال الزمخشري: ومن المجاز: حمل فلان ثم كذب: إذا جبن ونكل، ومعناه: كذب الظن به، أو جعل حملته كاذبة غير صادقة. انظر: أساس البلاغة (كذب). وقال شمر: يقال للرجل إذا حمل ثم ولى ولم يمض: قد كذب عن قرنه تكذيبا، والتكذيب في القتال ضد الصدق فيه. اللسان (كذب) )، كما يقال في ضده: صدق. وكذب لبن الناقة: إذا ظن أن يدوم مدة فلم يدم. وقولهم: (كذب عليك الحج) (قال أبو عبيدة: في حديث عمر: (كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد ثلاثة أسفار كذبن عليكم) انظر: غريب الحديث 3/248؛ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/172) قيل: معناه وجب فعليك به، وحقيقته أنه في حكم الغائب البطيء وقته، كقولك: قد فات الحج فبادر، أي: كاد يفوت. وكذب عليك العسل (الحديث: إن عمرو بن معد يكرب شكا إلى عمر بن الخطاب المعص، فقال: كذب عليك العسل. يريد: العسلان، وهو مشي الذئب. أي: عليك بسرعة المشي. والمعص: التواء في عصب الرجل: انظر: النهاية 4/158؛ والفائق 2/200؛ واللسان (كذب) ) بالنصب، أي: عليك بالعسل، وذلك إغراء، وقيل: العسل ههنا العسلان، وهو ضرب من العدو، والكذابة: ثوب ينقش بلون صبغ كأنه موشى، وذلك لأنه يكذب بحاله.