تفسير كلمة كَصَيِّبٍ من سورة البقرة آية رقم 19


أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ {19}

الصيّب: المَطَر النازل أو السَّحاب


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "صوب"

الصواب يقال على وجهين: أحدهما: باعتبار الشيء في نفسه، فيقال: هذا صواب: إذا كان في نفسه محمودا ومرضيا، بحسب مقتضى العقل والشرع، نحو قولك: تحري العدل صواب، والكرم صواب. والثاني: يقال باعتبار القاصد إذا أدرك المقصود بحسب ما يقصده، فيقال: أصاب كذا، أي: وجد ما طلب، كقولك: أصابه السهم، وذلك على أضرب؟؟: الأول: أن يقصد ما يحسن قصده فيفعله، وذلك هو الصواب التام المحمود به الإنسان. والثاني: أن يقصد ما يحسن فعله، فيتأتى منه غيره لتقديره بعد اجتهاده أنه صواب، وذلك هو المراد بقوله عليه السلام: (كل مجتهد مصيب) ( [استدراك] هذه قاعدة فقهية، وليست حديثا. وهي ظاهر قول مالك وأبي حنيفة. ومعناها: كل مجتهد في الفروع التي لا قاطع فيها مصيب في اجتهاده، وليست على إطلاقها، إذ لا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية - أي: العقائد الدينية - مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى القائلين بالتثليث، والثنوية من المجوس في قولهم بالأصلين للعالم: النور والظلمة، والكفار في نفيهم التوحيد، وبعثة الرسل، والمعاد في الآخرة. انظر: لطائف الإشارات شرح منظومة الورقات في الأصول ص 59؛ واللمع ص 358)، وروي (المجتهد مصيب وإن أخطأ فهذا له أجر) (المروي في ذلك عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) متفق عليه: البخاري 13/318 كتاب الاعتصام، مسلم (1342) كتاب الأقضية) كما روي: (من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر) (المروي في ذلك عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) متفق عليه: البخاري 13/318 كتاب الاعتصام، مسلم (1342) كتاب الأقضية). والثالث: أن يقصد صوابا، فيتأتى منه خطأ لعارض من خارج، نحو من يقصد رمي صيد، فأصاب إنسانا، فهذا معذور. والرابع: أن يقصد ما يقبح فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يقصده، فيقال: أخطأ في قصده، وأصاب الذي قصده، أي: وجده، والصوب: الإصابة: يقال: صابه وأصابه، وجعل الصوب لنزول المطر إذا كان بقدر ما ينفع، وإلى هذا القدر من المطر أشار بقوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر [المؤمنون/18]، قال الشاعر: - 285 - فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الربيع وديمة تهمي (البيت لطرفة بن العبد، في ديوانه ص 88؛ والبصائر 3/448) والصيب: السحاب المختص بالصوب، وهو فيعل من: صاب يصوب، قال الشاعر: - 286 - فكأنما صابت عليه سحابة (هذا شطر بيت، وعجزه: صواعقها ليرهن دبيب وهو لعلقمة بن عبدة من مفضليته التي مطلعها: طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب وهو في المفضليات ص 395؛ واللسان (صوب) ) وقوله: أو كصيب [البقرة/19]، قيل: هو السحاب، وقيل: هو المطر، وتسميته به كتسميته بالسحاب، وأصاب السهم: إذا وصل إلى المرمى بالصواب، والمصيبة أصلها في الرمية، ثم اختصت بالنائبة. نحو: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها [آل عمران/165]، فكيف إذا أصابتهم مصيبة [النساء/62]، وما أصابكم يوم التقى الجمعان [آل عمران/166]، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى/30]، وأصاب: جاء في الخير والشر. قال تعالى: إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة [التوبة/50]، ولئن أصابكم فضل من الله [النساء/73]، يصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء [النور/43]، فإذا أصاب به من يشاء من عباده [الروم/48]، قال: الإصابة في الخير اعتبارا بالصوب؛ أي: بالمطر، وفي الشر اعتبارا بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل.