تفسير كلمة كُلِّ من سورة البقرة آية رقم 109


وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {109}

لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الشُّمولِ والإسْتِغْراقِ، وتُضافُ لَفْظًا أو تَقْديراً


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كلل"

لفظ كل هو لضم أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما: الضام لذات الشيء وأحواله المختصة به، ويفيد معنى التمام. نحو قوله تعالى: ولا تبسطها كل البسط [الإسراء/29]. أي: بسطا تاما، قال الشاعر: - 392 - ليس الفتى كل الفتى * إلا الفتى في أدبه (البيت نسبه السمين في عمدة الحفاظ: كل، إلى لبيد، وليس في ديوانه وهو لليزيدي في الموشى ص 17) أي: التام الفتوة. والثاني: الضام للذوات، وذلك يضاف، تارة إلى جمع معرف بالألف واللام. نحو قولك: كل القوم، وتارة إلى ضمير ذلك. نحو: فسجد الملائكة كلهم أجمعون [الحجر/30]. وقوله: ليظهره على الدين كله [التوبة/33]. أو إلى نكرة مفردة نحو: وكل إنسان ألزمناه [الإسراء/13]، وهو بكل شيء عليم [البقرة/29] إلى غيرها من الآيات، وربما عري عن الإضافة، ويقدر ذلك فيه نحو: وكل في فلك يسبحون [يس/40]، وكل أتوه داخرين [النمل/ 87]، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [مريم/95]، وكلا جعلنا صالحين [الأنبياء/72]، وكلا من الصابرين [الأنبياء/85]، وكلا ضربنا له الأمثال [الفرقان/39] إلى غير ذلك في القرآن مما يكثر تعداده. ولم يرد في شيء من القرآن ولا في شيء من كلام الفصحاء الكل بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم (قال ابن منظور: وكل وبعض معرفتان، ولم يجئ عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة، أضفت أو لم تضف. اللسان (كلل) ). والكلالة: اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة، وقال ابن عباس: هو اسم لمن عدا الولد (انظر: الدر المنثور 2/757)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال: (من مات وليس له ولد ولا والد) (أخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل ص 272 عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة؟ فقال: أما سمعت الآية التي أنزلت في الصيف يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة فمن لم يترك ولد ولا والدا فورثته كلالة. وأخرجه الحاكم موصولا عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وفيه الحماني، وقال الذهبي: الحماني ضعيف. انظر: المستدرك 4/336؛ والدر المنثور 2/754) فجعله اسما للميت، وكلا القولين صحيح. فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث جميعا، وتسميتها بذلك؛ إما لأن النسب كل عن اللحوق به، أو لأنه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك لأن انتساب ضربان: أحدهما: بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني: بالعرض كنسبة الأخ والعم، قال قطرب: الكلالة: اسم لما عدا الأبوين والأخ، وليس بشيء، وقال بعضهم: هو اسم لكل وارث؛ كقول الشاعر: - 393 - والمرء يبخل في الحقو * ق وللكلالة ما يسيم (البيت ليزيد بن الحكم، وبعده: ما بخل من هو للمنو * ن وريبها غرض رجيم ويرى القرون أمامه * همدوا كما همد الهشيم وهو في شرح الحماسة للتبريزي 3/106) من أسام الإبل: إذا أخرجها للمرعى، ولم يقصد الشاعر ما ظنه هذا، وإنما خص الكلالة ليزهد الإنسان في جمع المال؛ لأن ترك المال لهم أشد من تركه للأولاد، وتنبيها أن من خلفت له المال فجار مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدو: وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كلالة: لمن تخصص بشيء قد كان لأبيه، قال الشاعر: - 394 - ورثتم قناة الملك غير كلالة * عن ابني مناف عبد شمس هاشم (البيت للفرزدق من قصيدة يمدح بها سليمان عبد الملك. وهو في ديوانه ص 612؛ والمجمل 3/765؛ واللسان (كلل) ) والإكليل سمي بذلك لإطافته بالرأس، يقال: كل الرجل في مشيته كلالا، والسيف عن ضريبته كلولا، وكلة، واللسان عن الكلام كذلك، وأكل فلان: كلت راحلته، والكلكل: الصدر.


تصفح سورة البقرة كاملة