تفسير كلمة مُّسْلِمَةً من سورة البقرة آية رقم 128


رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {128}

مُنْقادَةً طائِعَةً للهِ وشَرائِعِهِ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "سلم"

السلم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال: بقلب سليم [الشعراء/89]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: مسلمة لا شية فيها [البقرة/71]، فهذا في الظاهر، وقد سلم يسلم سلامة، وسلاما، وسلمه الله، قال تعالى: ولكن الله سلم [الأنفال/43]، وقال: ادخلوها بسلام آمنين [الحجر/46]، أي: سلامة، وكذا قوله: اهبط بسلام منا [هود/48]. والسلامة الحقيقية ليست إلا في الجنة، إذ فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وصحة بلا سقم، كما قال تعالى: لهم دار السلام عند ربهم [الأنعام/127]، أي: السلامة، قال: والله يدعو إلى دار السلام [يونس/ 25]، وقال تعالى: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة/ 16]، يجوز أن يكون كل ذلك من السلامة. وقيل: السلام اسم من أسماء الله تعالى (انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص 53، والمقصد الأسنى للغزالي ص 47)، وكذا قيل في قوله: لهم دار السلام [الأنعام/127]، و: السلام المؤمن المهيمن [الحشر/23]، قيل: وصف بذلك من حيث لا يلحقه العيوب والآفات التي تلحق الخلق، وقوله: سلام قولا من رب رحيم [يس/ 58]، سلام عليكم بما صبرتم [الرعد/24]، سلام على آل ياسين (سورة الصافات: آية 130، وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب. انظر: الإتحاف ص 370) كل ذلك من الناس بالقول، ومن الله تعالى بالفعل، وهو إعطاء ما تقدم ذكره مما يكون في الجنة من السلامة، وقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان/63]، أي: نطلب منكم السلامة، فيكون قوله (سلاما) نصبا بإضمار فعل، وقيل: معناه: قالوا سلاما، أي: سدادا من القول، فعلى هذا يكون صفة لمصدر محذوف. وقوله تعالى: إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام [الذاريات/25]، فإنما رفع الثاني؛ لأن الرفع في باب الدعاء أبلغ (قال ابن القيم: إن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية؛ لأن نصب السلام يدل على: سلمنا عليك سلاما، وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية؛ لأن رفعه يدل على أن المعنى: سلام عليكم، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه. انظر: بدائع الفوائد 2/157)، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها [النساء/86]، ومن قرأ سلم (وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: الإتحاف ص 399) فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم عليه السلام قد أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلما، فقال في جوابهم: (سلم)، تنبيها أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي. وقوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قليلا سلاما سلاما [الواقعة/ 25 - 26]، فهذا لا يكون لهم بالقول فقط، بل ذلك بالقول والفعل جميعا. وعلى ذلك قوله تعالى: فسلام لك من أصحاب اليمين [الواقعة/91]، وقوله: وقل سلام [الزخرف/89]، فهذا في الظاهر أن تسلم عليهم، وفي الحقيقة سؤال الله السلامة منهم، وقوله تعالى: سلام على نوح في العالمين [الصافات/79]، سلام على موسى وهرون [الصافات/120]، سلام على إبراهيم [الصافات/109]، كل هذا تنبيه من الله تعالى أنه جعلهم بحيث يثنى عليهم، ويدعى لهم. وقال تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم [النور/61]، أي: ليسلم بعضكم على بعض. والسلام والسلم والسلم: الصلح قال: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا (وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر وخلف. الإتحاف 193) [النساء/94]، وقيل: نزلت فيمن قتل بعد إقراره بالإسلام ومطالبته بالصلح (راجع: الدر المنثور 2/632 - 634) وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة [البقرة/208]، وإن جنحوا للسلم [الأنفال/61]، وقرئ: للسلم (وهي قراءة الجميع إلا شعبة. انظر: إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي ص 348) بالفتح، وقرئ: وألقوا إلى الله يومئذ السلم (سورة النحل: آية 87، وهي قراءة حفص)، وقال يدعون إلى السجود وهم سالمون [القلم/43]، أي: مستسلمون، وقوله: ورجلا سالما لرجل (سورة الزمر آية 29، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. ) وقرئ سلما و (سلما) (وقرأ الباقون سلما، أما قراءة (سلما) فهي شاذة، قرأ بها سعيد بن جبير. انظر: الإتحاف 375؛ والبحر المحيط 7/424)، وهما مصدران، وليسا بوصفين كحسن ونكد. يقول: سلم سلما وسلما، وربح ربحا وربحا. وقيل: السلم اسم بإزاء حرب، والإسلام: الدخول في السلم، وهو أن يسلم كل واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه، ومصدر أسلمت الشيء إلى فلان: إذا أخرجته إليه، ومنه: السلم في البيع. والإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد بقوله: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات/14]. والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة/ 131]، وقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران/19]. وقوله: توفني مسلما [يوسف/101]، أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه: اجعلني سالما عن أسر الشيطان حيث قال: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر/40]، وقوله: إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون [النمل/81]، أي: منقادون للحق مذعنون له. وقوله: يحكم بها النبيون الذين أسلموا [المائدة/44]، أي: الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من العزم لأولي العزم الذين يهتدون بأمر الله، ويأتون بالشرائع. والسلم: ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية، فيرجى به السلامة، ثم جعل اسما لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب، قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون فيه [الطور/38]، وقال: أو سلما في السماء [الأنعام/35]، وقال الشاعر: - 242 - ولو نال أسباب السماء بسلم (هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وشطره: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه وهو في ديوانه ص 87) والسلم والسلام: شجر عظيم، كأنه سمي لاعتقادهم أنه سليم من الآفات، والسلام: الحجارة الصلبة.