تفسير كلمة مُسْلِمُونَ من سورة البقرة آية رقم 133


أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {133}

مُنْقادونَ للهِ ولِشَرائِعِهِ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "سلم"

السلم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال: بقلب سليم [الشعراء/89]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: مسلمة لا شية فيها [البقرة/71]، فهذا في الظاهر، وقد سلم يسلم سلامة، وسلاما، وسلمه الله، قال تعالى: ولكن الله سلم [الأنفال/43]، وقال: ادخلوها بسلام آمنين [الحجر/46]، أي: سلامة، وكذا قوله: اهبط بسلام منا [هود/48]. والسلامة الحقيقية ليست إلا في الجنة، إذ فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وصحة بلا سقم، كما قال تعالى: لهم دار السلام عند ربهم [الأنعام/127]، أي: السلامة، قال: والله يدعو إلى دار السلام [يونس/ 25]، وقال تعالى: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام [المائدة/ 16]، يجوز أن يكون كل ذلك من السلامة. وقيل: السلام اسم من أسماء الله تعالى (انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص 53، والمقصد الأسنى للغزالي ص 47)، وكذا قيل في قوله: لهم دار السلام [الأنعام/127]، و: السلام المؤمن المهيمن [الحشر/23]، قيل: وصف بذلك من حيث لا يلحقه العيوب والآفات التي تلحق الخلق، وقوله: سلام قولا من رب رحيم [يس/ 58]، سلام عليكم بما صبرتم [الرعد/24]، سلام على آل ياسين (سورة الصافات: آية 130، وهي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب. انظر: الإتحاف ص 370) كل ذلك من الناس بالقول، ومن الله تعالى بالفعل، وهو إعطاء ما تقدم ذكره مما يكون في الجنة من السلامة، وقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان/63]، أي: نطلب منكم السلامة، فيكون قوله (سلاما) نصبا بإضمار فعل، وقيل: معناه: قالوا سلاما، أي: سدادا من القول، فعلى هذا يكون صفة لمصدر محذوف. وقوله تعالى: إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام [الذاريات/25]، فإنما رفع الثاني؛ لأن الرفع في باب الدعاء أبلغ (قال ابن القيم: إن سلام الملائكة تضمن جملة فعلية؛ لأن نصب السلام يدل على: سلمنا عليك سلاما، وسلام إبراهيم تضمن جملة اسمية؛ لأن رفعه يدل على أن المعنى: سلام عليكم، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكان سلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه. انظر: بدائع الفوائد 2/157)، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها [النساء/86]، ومن قرأ سلم (وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: الإتحاف ص 399) فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم عليه السلام قد أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلما، فقال في جوابهم: (سلم)، تنبيها أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي. وقوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قليلا سلاما سلاما [الواقعة/ 25 - 26]، فهذا لا يكون لهم بالقول فقط، بل ذلك بالقول والفعل جميعا. وعلى ذلك قوله تعالى: فسلام لك من أصحاب اليمين [الواقعة/91]، وقوله: وقل سلام [الزخرف/89]، فهذا في الظاهر أن تسلم عليهم، وفي الحقيقة سؤال الله السلامة منهم، وقوله تعالى: سلام على نوح في العالمين [الصافات/79]، سلام على موسى وهرون [الصافات/120]، سلام على إبراهيم [الصافات/109]، كل هذا تنبيه من الله تعالى أنه جعلهم بحيث يثنى عليهم، ويدعى لهم. وقال تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم [النور/61]، أي: ليسلم بعضكم على بعض. والسلام والسلم والسلم: الصلح قال: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا (وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر وخلف. الإتحاف 193) [النساء/94]، وقيل: نزلت فيمن قتل بعد إقراره بالإسلام ومطالبته بالصلح (راجع: الدر المنثور 2/632 - 634) وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة [البقرة/208]، وإن جنحوا للسلم [الأنفال/61]، وقرئ: للسلم (وهي قراءة الجميع إلا شعبة. انظر: إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي ص 348) بالفتح، وقرئ: وألقوا إلى الله يومئذ السلم (سورة النحل: آية 87، وهي قراءة حفص)، وقال يدعون إلى السجود وهم سالمون [القلم/43]، أي: مستسلمون، وقوله: ورجلا سالما لرجل (سورة الزمر آية 29، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب. ) وقرئ سلما و (سلما) (وقرأ الباقون سلما، أما قراءة (سلما) فهي شاذة، قرأ بها سعيد بن جبير. انظر: الإتحاف 375؛ والبحر المحيط 7/424)، وهما مصدران، وليسا بوصفين كحسن ونكد. يقول: سلم سلما وسلما، وربح ربحا وربحا. وقيل: السلم اسم بإزاء حرب، والإسلام: الدخول في السلم، وهو أن يسلم كل واحد منهما أن يناله من ألم صاحبه، ومصدر أسلمت الشيء إلى فلان: إذا أخرجته إليه، ومنه: السلم في البيع. والإسلام في الشرع على ضربين: أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم، حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد بقوله: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات/14]. والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف اعتقاد بالقلب، ووفاء بالفعل، واستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة/ 131]، وقوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران/19]. وقوله: توفني مسلما [يوسف/101]، أي: اجعلني ممن استسلم لرضاك، ويجوز أن يكون معناه: اجعلني سالما عن أسر الشيطان حيث قال: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر/40]، وقوله: إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون [النمل/81]، أي: منقادون للحق مذعنون له. وقوله: يحكم بها النبيون الذين أسلموا [المائدة/44]، أي: الذين انقادوا من الأنبياء الذين ليسوا من العزم لأولي العزم الذين يهتدون بأمر الله، ويأتون بالشرائع. والسلم: ما يتوصل به إلى الأمكنة العالية، فيرجى به السلامة، ثم جعل اسما لكل ما يتوصل به إلى شيء رفيع كالسبب، قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون فيه [الطور/38]، وقال: أو سلما في السماء [الأنعام/35]، وقال الشاعر: - 242 - ولو نال أسباب السماء بسلم (هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى، وشطره: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه وهو في ديوانه ص 87) والسلم والسلام: شجر عظيم، كأنه سمي لاعتقادهم أنه سليم من الآفات، والسلام: الحجارة الصلبة.