تفسير كلمة مِّعْرِضُونَ من سورة البقرة آية رقم 83


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ {83}

الإعراض : الإبتعاد والتنحي والصدود


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عرض"

العرض: خلاف الطول، وأصله أن يقال في الأجسام، ثم يستعمل في غيرها كما قال: فذو دعاء عريض [فصلت/51]. والعرض خص بالجانب، وأعرض الشيء: بدا عرضه، وعرضت العود على الإناء، واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض، واعترض الفرس في مشيه، وفيه عرضيه. أي: اعتراض في مشيه من الصعوبة، وعرضت الشيء على البيع، وعلى فلان، ولفلان نحو: ثم عرضهم على الملائكة [البقرة/31]، وعرضوا على ربك صفا [الكهف/48]، إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب/ 72]، وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا [الكهف/100]، ويوم يعرض الذين كفروا على النار [الأحقاف/20]. وعرضت الجند، والعارض: البادي عرضه، فتارة يخص بالسحاب نحو: هذا عارض ممطرنا [الأحقاف/24]، وبما يعرض من السقم، فيقال: به عارض من سقم، وتارة بالخد نحو: أخذ من عارضيه، وتارة بالسن، ومنه قيل: العوارض للثنايا التي تظهر عند الضحك، وقيل: فلان شديد العارضة (انظر: البصائر 4/44. ومنه سمى ابن العربي شرحه للترمذي: عارضة الأحوذي) كناية عن جودة البيان، وبعير عروض: يأكل الشوك بعارضيه، والعرضة: ما يجعل معرضا للشيء. قال تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم [البقرة/224]، وبعير عرضة للسفر. أي: يجعل معرضا له، وأعرضك أظهر عرضه. أي: ناحيته. فإذا قيل: أعرض لي كذا. أي: عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني، فمعناه: ولى مبديا عرضه. قال: ثم أعرض عنها [السجدة/22]، فأعرض عنهم وعظهم [النساء/63]، وأعرض عن الجاهلين [الأعراف/199]، ومن أعرض عن ذكري [طه/ 124]، وهم عن آياتها معرضون [الأنبياء/32]، وربما حذف عنه استغناء عنه نحو: إذا فريق منهم معرضون [النور/48]، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [آل عمران/23]، فأعرضوا فأرسلنا عليهم [سبأ/ 16]، وقوله: وجنة عرضها السموات والأرض [آل عمران/133]، فقد قيل: هو العرض الذي خلاف الطول، وتصور ذلك على أحد وجوه: إما أن يريد به أن يكون عرضها في النشأة الآخرة كعرض السموات والأرض في النشأة الأولى، وذلك أنه قد قال: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات [إبراهيم/48]، ولا يمتنع أن تكون السموات والأرض في النشأة الآخرة أكبر مما هي الآن. وروي أن يهوديا سأل عمر رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار (أخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت قوله: وجنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا لبس كل شيء فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله. قال: فكذلك حيث شاء الله. المستدرك 1/36. - وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن: جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار، وإذا جاء النهار فأين الليل؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة. راجع: الدر المنثور 2/315). وقيل: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة ولكن من حيث المسرة، كما يقال في ضده: الدنيا على فلان حلقة خاتم، وكفة حابل، وسعة هذه الدار كسعة الأرض، وقيل: العرض ههنا من عرض البيع (وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني محمد بن بحر. قال بيان الحق النيسابوري: وتعسف ابن بحر في تأويلها فقال: عرضها: ثمنها لو جاز بيعها، من المعاوضة في عقود البياعات. انظر: وضح البرهان بتحقيقنا 1/251)، من قولهم: بيع كذا بعرض: إذا بيع بسلعة، فمعنى عرضها أي: بدلها وعوضها، كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا. والعرض: ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم، وقيل: الدنيا عرض حاضر (انظر البصائر 4/46، وعمدة الحفاظ: عرض)، تنبيها أن لا ثبات لها. قال تعالى: تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة [الأنفال/ 67]، وقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله [الأعراف/169]، وقوله: لو كان عرضا قريبا [التوبة/42]، أي: مطلبا سهلا. والتعريض: كلام له وجهان من صدق وكذب، أو ظاهر وباطن. قال: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء [البقرة/ 235]، قيل: هو أن يقول لها: أنت جميلة، ومرغوب فيك ونحو ذلك.


تصفح سورة البقرة كاملة