تفسير كلمة مِن من سورة البقرة آية رقم 133


أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {133}

حَرْفُ جَرٍّ يُفيدُ مَعْنى ابتِداءِ الغايَةِ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "من"

من: يعبر به عن الناطقين، ولا يعبر به عن غير الناطقين إلا إذا جمع بينهم وبين غيرهم، كقولك: رأيت من في الدار من الناس والبهائم، أو يكون تفصيلا لجملة يدخل فيهم الناطقون، كقوله تعالى: فمنهم من يمشي الآية [النور/45]. ولا يعبر به عن غير الناطقين إذا انفرد، ولهذا قال بعض المحدثين (عجز بيت نسبه المؤلف في الذريعة ص 24 للمتنبي، ولم أجده في ديوانه، وصدره: [حولي بكل مكان منهم خلق] ) في صفة أغنام نفى عنهم الإنسانية: تخطئ إذا جئت في استفهامه بمن تنبيها أنهم حيوان أو دون الحيوان. ويعبر به عن الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. قال تعالى: ومنهم من يستمع [الأنعام/25]، وفي أخرى: من يستمعون إليك [يونس/42] وقال: ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا [الأحزاب/31]. و: لابتداء الغاية، وللتبعيض، وللتبيين، وتكون لاستغراق الجنس في النفي والاستفهام. نحو: فما منكم من أحد [الحاقة/47]. وللبدل. نحو: خذ هذا من ذلك. أي: بدله، قال تعالى: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد [إبراهيم/37]، (فمن) اقتضى التبعيض، فإنه كان نزل فيه بعض ذريته، وقوله: من السماء من جبال فيها من برد [النور/43] قال: تقديره أنه ينزل من السماء جبالا، فمن الأولى ظرف، والثانية في موضع المفعول، والثالثة للتبيين كقولك: عنده جبال من مال. وقيل: يحتمل أن يكون قوله: (من جبال) نصبا على الظرف على أنه ينزل منه، وقوله: من برد نصب. أي: ينزل من السماء من جبال فيها بردا، وقيل: يصح أن يكون موضع من في قوله: من برد رفعا، و من جبال نصبا على أنه مفعول به، كأنه في التقدير: وينزل من السماء جبالا فيها برد، ويكون الجبال على هذا تعظيما وتكثيرا لما نزل من السماء. وقوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم [المائدة/4]، قال أبو الحسن: من زائدة (وعبارته: أدخل (من) كما أدخله في قوله: كان من حديث، وقد كان من مطر، وقوله: ويكفر عنكم من سيئاتكم و ينزل من السماء من جبال فيها من برد وهو فيما فسر: ينزل من السماء جبالا فيها برد. انظر: معاني القرآن لأبي الحسن الأخفش 1/254)، والصحيح أن تلك ليست بزائدة؛ لأن بعض ما يمسكن لا يجوز أكله كالدم والغدد وما فيها من القاذورات المنهي عن تناولها.