تفسير كلمة نَرَى من سورة البقرة آية رقم 144


قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ {144}

نُبْصِر

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "رأي"

رأى: (وقد أخذ المصنف جل هذا الباب من المسائل الحلبيات للفارسي ولخصه، انظر: المسائل الحلبيات ص 42 - 90) عينه همزة، ولامه ياء، لقولهم: رؤية، وقد قلبه الشاعر فقال: - 207 - وكل خليل راءني فهو قائل *** من أجلك: هذا هامة اليوم أو غد (البيت لكثير غزة من قصيدة له مطلعها: تظل ابنة الضمري في ظل نعمة *** إذا ما مشت من فوق صرح ممرد وهو في ديوانه ص 435، واللسان: (رأى) ؛ والأغاني 15/111؛ والأضداد لابن الأنباري ص 325؛ والمسائل الحلبيات ص 47) وتحذف الهمزة من مستقبله (قال سيبويه: ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قوله: أرى وترى ونرى. انظر: الكتاب 2/165)، فيقال: ترى ويرى ونرى، قال: فإما ترين من البشر أحدا [مريم/26]، وقال: أرنا اللذين أضلانا من الجن والأنس [فصلت/29]، وقرئ: أرنا (وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو بخلفه، وهشام وابن ذكوان وأبو بكر ويعقوب. الإتحاف 382). والرؤية: إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس: والأول: بالحاسة وما يجري مجراها، نحو: لترون الجحيم *** ثم لترونها عين اليقين [التكاثر/6 - 7]، ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله [الزمر/60]، وقوله: قسيرى الله عملكم [التوبة/105] فإنه مما أجري مجرى الرؤية الحاسة، فإن الحاسة لا تصح على الله، تعالى عن ذلك، وقوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف/27]. والثاني: بالوهم والتخيل، نحو: أرى أن زيدا منطلق، ونحو قوله: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا [الأنفال/50]. والثالث: بالتفكر، نحو: أني أرى ما لا ترون [الأنفال/48]. والرابع: بالعقل، وعلى ذلك قوله: وماكذب الفؤاد ما رأى [النجم/11]، وعلى ذلك حمل قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم/13]. ورأى إذا عدي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم، نحو: ويرى الذين أوتوا العلم [سبأ/6]، وقال: إن ترن أنا أقل منك [الكهف/39]، ويجري (أرأيت) مجرى أخبرني، فيدخل عليه الكاف، ويترك التاء على حالته في التثنية، والجمع، والتأنيث، ويسلط التغيير على الكاف دون التاء، قال: أرأيتك هذا الذي [الإسراء/62]، قل أرأيتكم [الأنعام/40]، وقوله: أرأيت الذي ينهى [العلق/9]، قل أرأيتم ما تدعون [الأحقاف/4]، قل أرأيتم إن جعل الله [القصص/71]، قل أرأيتم إن كان [الأحقاف/10]، أرأيت إذ أوينا [الكهف/63]، كل ذلك فيه معنى التنبيه. والرأي: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، وعلى هذا قوله: يرونهم مثليهم رأي العين [آل عمران/13]، أي: يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم، تقول: فعل ذلك رأي عيني، وقيل: راءة عيني. والروية والتروية: التفكر في الشيء، والإمالة بين خواطر النفس في تحصيل الرأي، والمرتئي والمروي: والمتفكر، وإذا عدي رأيت بإلى اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار، نحو: ألم تر إلى ربك [الفرقان/45]، وقوله: بما أراك الله [النساء/105]، أي: بما علمك. والراية: العلامة المنصوبة للرؤية. ومع فلان رئي من الجن، وأرأت الناقة فهي مرء: إذا أظهرت الحمل حتى يرى صدق حملها. والرؤيا: ما يرى في المنام، وهو فعلى، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو، وروي: (لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا) (الحديث تقدم في مادة (بشر) ). قال: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح/27]، وما جعلنا الرؤيا التي أريناك [الإسراء/60]، وقوله: فلما تراءى الجمعان [الشعراء/61]، أي: تقاربا وتقابلا حتى صار كل واحد منهما بحيث يتمكن من رؤية الآخر، ويتمكن الآخر من رؤيته. ومنه قوله: (لا تتراءى نارهما) (الحديث عن قيس بن أبي حازم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى قوم من خثعم، فاستعصموا بالسجود فقتلوا، فقضى رسول الله بنصف العقل، وقال: (إني بريء من كل مسلم مع مشرك)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا تراءى نارهما). أخرجه النسائي 8/36. وأخرجه أبو داود في الجهاد برقم (2645) ولفظه: (أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما) والترمذي في أبواب السير. انظر: عارضة الأحوذي 8/104، والحديث صحيح لكن اختلف في وصله وإرساله. وانظر: شرح السنة 10/373). ومنازلهم رئاء، أي: متقابلة. وفعل ذلك رئاء الناس، أي: مراءاة وتشيعا. والمرآة ما يرى فيه صورة الأشياء، وهي مفعلة من: رأيت، نحو: المصحف من صحفت، وجمعها مرائي، والرئة: العضو المنتشر عن القلب، وجمعه من لفظه رؤون، وأنشد (أبو زيد) : - 208 - فغظناهمو حتى أتى الغيظ منهمو *** قلوبا وأكبادا لهم ورئينا (البيت في اللسان (رأى)، دون نسبة؛ وهو في نوادر أبي زيد ص 195. والبيت للأسود بن يعفر في ديوانه ص 63، والمسائل الحلبيات للفارسي ص 61؛ والتكملة له ص 428) ورئته: إذا ضربت رئته. روى: تقول: ماء رواء، وروى، أي: كثير مرو، فروى على بناء عدى: و مكانا سوى [طه/58]، قال الشاعر: من شك في فلج فهذا فلج *** ماء رواء وطريق نهج (البيت في اللسان (روى)، دون نسبة؛ والجمهرة لابن دريد 1/177، ومجاز القرآن 1/168) وقوله: هم أحسن أثاثا ورئيا [مريم/74]، فمن لم يهمز (وهم قالون وابن ذكوان وأبو جعفر، وقراءتهم (وريا) ) جعله من روي، كأنه ريان من الحسن (راجع: تفسير القرطبي 11/143؛ والمسائل الحلبيات ص 58)، ومن همز فللذي يرمق من الحسن به (وقرأ بالهمز الباقون. قال الجوهري: ومن همزه جعله من المنظر، من: رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وقال الفراء: الرئي: المنظر: معاني الفراء 2/171؛ وتفسير القرطبي 11/143). وقيل: هو منه على ترك الهمز، والري: اسم لما يظهر منه، والرواء منه، وقيل: هو مقلوب من رأيت. قال أبو علي الفسوي: المروءة هو من قولهم حسن في مرآة العين. كذا قال، وهذا [استدراك] (هذا وهم من المؤلف؛ فإن أبا علي لم يقل ذلك، ولكن قال: وزعم بعض رواة اللغة أن المروءة مأخوذة من قولهم: هو حسن في مرآة العين. وهذا من فاحش الغلط، وذلك أن الميم في (مرآة) زائدة، ومروءة: فعولة. انتهى. فتبين ذلك: وانظر: المسائل الحلبيات ص 59. وعنى الفارسي بقوله: بعض رواة اللغة ابن دريد فقد قال في الجمهرة: ومن همز المروءة أخذها من حسن مرآة العين. انظر: جمهرة اللغة 3/252. وكذا أبا زيد، فقال: مرء مروءة، جعل الميم فاءا) غلط؛ لأن الميم في مرآة زائدة، ومروءة فعولة. وتقول: أنت بمرأى ومسمع، أي: قريب، وقيل: أنت مني مرأى ومسمع، بطرح الباء، ومرأى: مفعل من رأيت (انظر: كتاب سيبويه 1/207).