تفسير كلمة وَأَرَى من سورة طه آية رقم 46


قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى {46}

أَرَى: مضارع رأى ومعناها أُبْصرُ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "رأي"

رأى: (وقد أخذ المصنف جل هذا الباب من المسائل الحلبيات للفارسي ولخصه، انظر: المسائل الحلبيات ص 42 - 90) عينه همزة، ولامه ياء، لقولهم: رؤية، وقد قلبه الشاعر فقال: - 207 - وكل خليل راءني فهو قائل *** من أجلك: هذا هامة اليوم أو غد (البيت لكثير غزة من قصيدة له مطلعها: تظل ابنة الضمري في ظل نعمة *** إذا ما مشت من فوق صرح ممرد وهو في ديوانه ص 435، واللسان: (رأى) ؛ والأغاني 15/111؛ والأضداد لابن الأنباري ص 325؛ والمسائل الحلبيات ص 47) وتحذف الهمزة من مستقبله (قال سيبويه: ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قوله: أرى وترى ونرى. انظر: الكتاب 2/165)، فيقال: ترى ويرى ونرى، قال: فإما ترين من البشر أحدا [مريم/26]، وقال: أرنا اللذين أضلانا من الجن والأنس [فصلت/29]، وقرئ: أرنا (وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو بخلفه، وهشام وابن ذكوان وأبو بكر ويعقوب. الإتحاف 382). والرؤية: إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس: والأول: بالحاسة وما يجري مجراها، نحو: لترون الجحيم *** ثم لترونها عين اليقين [التكاثر/6 - 7]، ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله [الزمر/60]، وقوله: قسيرى الله عملكم [التوبة/105] فإنه مما أجري مجرى الرؤية الحاسة، فإن الحاسة لا تصح على الله، تعالى عن ذلك، وقوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف/27]. والثاني: بالوهم والتخيل، نحو: أرى أن زيدا منطلق، ونحو قوله: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا [الأنفال/50]. والثالث: بالتفكر، نحو: أني أرى ما لا ترون [الأنفال/48]. والرابع: بالعقل، وعلى ذلك قوله: وماكذب الفؤاد ما رأى [النجم/11]، وعلى ذلك حمل قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم/13]. ورأى إذا عدي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم، نحو: ويرى الذين أوتوا العلم [سبأ/6]، وقال: إن ترن أنا أقل منك [الكهف/39]، ويجري (أرأيت) مجرى أخبرني، فيدخل عليه الكاف، ويترك التاء على حالته في التثنية، والجمع، والتأنيث، ويسلط التغيير على الكاف دون التاء، قال: أرأيتك هذا الذي [الإسراء/62]، قل أرأيتكم [الأنعام/40]، وقوله: أرأيت الذي ينهى [العلق/9]، قل أرأيتم ما تدعون [الأحقاف/4]، قل أرأيتم إن جعل الله [القصص/71]، قل أرأيتم إن كان [الأحقاف/10]، أرأيت إذ أوينا [الكهف/63]، كل ذلك فيه معنى التنبيه. والرأي: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، وعلى هذا قوله: يرونهم مثليهم رأي العين [آل عمران/13]، أي: يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم، تقول: فعل ذلك رأي عيني، وقيل: راءة عيني. والروية والتروية: التفكر في الشيء، والإمالة بين خواطر النفس في تحصيل الرأي، والمرتئي والمروي: والمتفكر، وإذا عدي رأيت بإلى اقتضى معنى النظر المؤدي إلى الاعتبار، نحو: ألم تر إلى ربك [الفرقان/45]، وقوله: بما أراك الله [النساء/105]، أي: بما علمك. والراية: العلامة المنصوبة للرؤية. ومع فلان رئي من الجن، وأرأت الناقة فهي مرء: إذا أظهرت الحمل حتى يرى صدق حملها. والرؤيا: ما يرى في المنام، وهو فعلى، وقد يخفف فيه الهمزة فيقال بالواو، وروي: (لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا) (الحديث تقدم في مادة (بشر) ). قال: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح/27]، وما جعلنا الرؤيا التي أريناك [الإسراء/60]، وقوله: فلما تراءى الجمعان [الشعراء/61]، أي: تقاربا وتقابلا حتى صار كل واحد منهما بحيث يتمكن من رؤية الآخر، ويتمكن الآخر من رؤيته. ومنه قوله: (لا تتراءى نارهما) (الحديث عن قيس بن أبي حازم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى قوم من خثعم، فاستعصموا بالسجود فقتلوا، فقضى رسول الله بنصف العقل، وقال: (إني بريء من كل مسلم مع مشرك)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا تراءى نارهما). أخرجه النسائي 8/36. وأخرجه أبو داود في الجهاد برقم (2645) ولفظه: (أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى نارهما) والترمذي في أبواب السير. انظر: عارضة الأحوذي 8/104، والحديث صحيح لكن اختلف في وصله وإرساله. وانظر: شرح السنة 10/373). ومنازلهم رئاء، أي: متقابلة. وفعل ذلك رئاء الناس، أي: مراءاة وتشيعا. والمرآة ما يرى فيه صورة الأشياء، وهي مفعلة من: رأيت، نحو: المصحف من صحفت، وجمعها مرائي، والرئة: العضو المنتشر عن القلب، وجمعه من لفظه رؤون، وأنشد (أبو زيد) : - 208 - فغظناهمو حتى أتى الغيظ منهمو *** قلوبا وأكبادا لهم ورئينا (البيت في اللسان (رأى)، دون نسبة؛ وهو في نوادر أبي زيد ص 195. والبيت للأسود بن يعفر في ديوانه ص 63، والمسائل الحلبيات للفارسي ص 61؛ والتكملة له ص 428) ورئته: إذا ضربت رئته. روى: تقول: ماء رواء، وروى، أي: كثير مرو، فروى على بناء عدى: و مكانا سوى [طه/58]، قال الشاعر: من شك في فلج فهذا فلج *** ماء رواء وطريق نهج (البيت في اللسان (روى)، دون نسبة؛ والجمهرة لابن دريد 1/177، ومجاز القرآن 1/168) وقوله: هم أحسن أثاثا ورئيا [مريم/74]، فمن لم يهمز (وهم قالون وابن ذكوان وأبو جعفر، وقراءتهم (وريا) ) جعله من روي، كأنه ريان من الحسن (راجع: تفسير القرطبي 11/143؛ والمسائل الحلبيات ص 58)، ومن همز فللذي يرمق من الحسن به (وقرأ بالهمز الباقون. قال الجوهري: ومن همزه جعله من المنظر، من: رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وقال الفراء: الرئي: المنظر: معاني الفراء 2/171؛ وتفسير القرطبي 11/143). وقيل: هو منه على ترك الهمز، والري: اسم لما يظهر منه، والرواء منه، وقيل: هو مقلوب من رأيت. قال أبو علي الفسوي: المروءة هو من قولهم حسن في مرآة العين. كذا قال، وهذا [استدراك] (هذا وهم من المؤلف؛ فإن أبا علي لم يقل ذلك، ولكن قال: وزعم بعض رواة اللغة أن المروءة مأخوذة من قولهم: هو حسن في مرآة العين. وهذا من فاحش الغلط، وذلك أن الميم في (مرآة) زائدة، ومروءة: فعولة. انتهى. فتبين ذلك: وانظر: المسائل الحلبيات ص 59. وعنى الفارسي بقوله: بعض رواة اللغة ابن دريد فقد قال في الجمهرة: ومن همز المروءة أخذها من حسن مرآة العين. انظر: جمهرة اللغة 3/252. وكذا أبا زيد، فقال: مرء مروءة، جعل الميم فاءا) غلط؛ لأن الميم في مرآة زائدة، ومروءة فعولة. وتقول: أنت بمرأى ومسمع، أي: قريب، وقيل: أنت مني مرأى ومسمع، بطرح الباء، ومرأى: مفعل من رأيت (انظر: كتاب سيبويه 1/207).


تصفح سورة طه كاملة