تفسير كلمة وَاسْتَكْبَرَ من سورة البقرة آية رقم 34


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ {34}

وَتَعاظَمَ وتَعالى

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كبر"

الكبير والصغير من الأسماء المتضايقة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيرا في جنب شيء، وكبيرا في جنب غيره، ويستعملان في الكمية المتصلة كالأجسام، وذلك كالكثير والقليل، وفي الكمية المنفصلة كالعدد، وربما يتعاقب الكثير والكبير على شيء واحد بنظرين مختلفين نحو: قل فيهما إثم كبير [البقرة/219] و: كثيرا (وهي قراءة حمزة والكسائي، ووافقهما الأعمش. انظر: الإتحاف ص 157) وقرئ بهما. وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان، ثم استعير للمعاني نحو قوله: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف/49]، وقوله: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر [سبأ/3]، وقوله: يوم الحج الأكبر [التوبة/3] إنما وصفه بالأكبر تنبيها أن العمرة هي الحجة الصغرى كما قال صلى الله عليه وسلم: (العمرة هي الحج الأصغر) (الحديث تقدم في مادة (حج) ) فمن ذلك ما اعتبر فيه الزمان، فيقال: فلان كبير، أي: مسن. نحو قوله: إما يبلغن عندك الكبر أحدهما [الإسراء/23]، وقال: وأصابه الكبر [البقرة/266]، وقد بلغني الكبر [آل عمران/40]، ومنه ما اعتبر فيه المنزلة والرفعة نحو: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بين وبينكم [الأنعام/19]، ونحو: الكبير المتعال [الرعد/9]، وقوله: فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم [الأنبياء/58] فسماه كبيرا بحسب اعتقادهم فيه لا لقدر ورفعة له على الحقيقة، وعلى ذلك قوله: بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء/63]، وقوله: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها [الأنعام/123] أي: رؤساءها وقوله: إنه لكبيركم الذي علمكم السحر [طه/71] أي: رئيسكم. ومن هذا النحو يقال: ورثه كابرا عن كابر، أي: أبا كبير القدر عن أب مثله. والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته، والجمع: الكبائر. قال: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم [النجم/32]، وقال: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [النساء/31] قيل: أريد به الشرك لقوله: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان/13]. وقيل: هي الشرك وسائر المعاصي الموبقة، كالزنا وقتل النفس المحرمة، ولذلك قال: إن قتلهم كان خطأ كبيرا [الإسراء/31]، وقال: قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما [البقرة/219]. وتستعمل الكبيرة فيما يشق ويصعب نحو: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة/45]، وقال: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه [الشورى/13]، وقال: وإن كان كبر عليك إعراضهم [الأنعام/35]، وقوله: كبرت كلمة [الكهف/5] ففيه تنبيه على عظم ذلك من بين الذنوب وعظم عقوبته. ولذلك قال: كبر مقتا عند الله [الصف/3]، وقوله: والذي تولى كبره [النور/11] إشارة إلى من أوقع حديث الإفك. وتنبيها أن كل من سن سنة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه أكبر. وقوله: إلا كبر ما هم ببالغيه [غافر/56]، أي: تكبر. وقيلك أمر كبير من السن، كقوله: والذي تولى كبره [النور/11]، والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم التكبر التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا، وذلك متى كان على ما يجب، وفي المكان الذي يجب، وفي الوقت الذي يجب فمحمود. والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهذا هو المذموم، وعلى هذا ما ورد في القرآن. وهو ما قال تعالى: أبى واستكبر [البقرة/34]. وقال تعالى: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم [البقرة/87] وقال: وأصروا واستكبروا استكبارا [نوح/7]، استكبارا في الأرض [فاطر /43]، فاستكبروا في الأرض [فصلت/15]، تستكبرون في الأرض بغير الحق [الأحقاف/20]، وقال: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء [الأعراف/40]، قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون [الأعراف/48]، وقوله: فيقول الضعفاء للذين استكبروا [غافر/ 47] قابل المستكبرين بالضعفاء تنبيها أن استكبارهم كان بما لهم من القوة من البدن والمال. وقال تعالى: قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا [الأعراف/75] فقابل المستكبرين بالمستضعفين فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين [الأعراف/133] نبه بقوله: فاستكبروا على تكبرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الإصغاء إليه، ونبه بقوله: وكانوا قوما مجرمين [الأعراف/133] أن الذي حملهم على ذلك هو ما تقدم من جرمهم، وأن ذلك لم يكن شيئا حدث منهم بل كان ذلك دأبهم قبل. وقال تعالى: فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون [النحل/22] وقال بعده: إنه لا يحب المستكبرين [النحل/23]. والتكبر يقال على وجهين: أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالتكبر. قال: العزيز الجبار المتكبر [الحشر/23]. والثاني: أن يكون متكلفا لذلك متشبعا، وذلك في وصف عامة الناس نحو قوله: فبئس مثوى المتكبرين [الزمر/72]، وقوله: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [غافر/35] ومن وصف بالتكبر على الوجه الأول فمحمود، ومن وصف به على الوجه الثاني فمذموم، ويدل على أنه قد يصح أن يوصف الإنسان بذلك ولا يكون، مذموما، وقوله: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق [الأعراف/146] فجعل متكبرين بغير الحق، وقال: على كل قلب متكبر جبار [غافر/35] بأضافة القلب إلى المتكبر. ومن قرأ: بالتنوين (قرأ: على كل قلب متكبر جبار بالتنوين أبو عمرو وابن عامر بخلفه. انظر: الإتحاف ص 378) جعل المتكبر. صفة للقلب، والكبرياء: الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله، فقال: وله الكبرياء في السموات والأرض [الجاثية/37] ولما قلنا روي عنه صلى الله عليه وسلم يقول عن الله تعالى: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قصمته) (الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم (2620) ؛ والبيهقي في الأسماء والصفات ص 173)، وقال تعالى: قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض [يونس/87]، وأكبرت الشيء: رأيته كبيرا. قال تعالى: فلما رأينه أكبرنه [يوسف/31]. والتكبير يقال لذلك، ولتعظيم الله تعالى بقولهم: الله أكبر، ولعبادته واستشعار تعظيمه، وعلى ذلك: ولتكبروا الله على ما هداكم [البقرة/185]، وكبره تكبيرا [الإسراء/111]، وقوله: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون [غافر/57] فهي إشارة إلى ما خصهما الله تعالى به من عجائب صنعه، وحكمته التي لا يعلمها إلا قليل ممن وصفهم بقوله: ويتفكرون في خلق السموات والأرض [آل عمران/191] فأما عظم جثتهما فأكثرهم يعلمونه. وقوله: يوم نبطش البطشة الكبرى [الدخان/16] فتنبيه أن كل ما ينال الكافر من العذاب قبل ذلك في الدنيا وفي البرزخ صغير في جنب عذاب ذلك اليوم. والكبار أبلغ من الكبير، والكبار أبلغ من ذلك. قال تعالى: ومكروا مكرا كبارا [نوح/22].