تفسير كلمة وَجْهَهُ من سورة البقرة آية رقم 112


بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {112}

نفسه

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "وجه"

أصل الوجه الجارحة. قال تعالى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم [المائدة/6]، وتغشى وجوههم النار [إبراهيم/50] ولما كان الوجه أول ما يستقبلك، وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شيء، وفي أشرفه ومبدئه، فقيل: وجه كذا، ووجه النهار. وربما عبر عن الذات بالوجه في قول الله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن/27] قيل: ذاته. وقيل: أراد بالوجه ههنا التوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، وقال: فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة/115]، كل شيء هالك إلا وجهه [القصص/88]، يريدون وجه الله [الروم/38]، إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان/9] قيل: إن الوجه في كل هذا زائد، ويعنى بذلك: كل شيء هالك إلا هو، وكذا في أخواته. وروي أنه قيل ذلك لأبي عبد الله بن الرضا (تقدم ص 75)، فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولا عظيما، إنما عني الوجه الذي يؤتى منه (انظر: البصائر 5/166)، ومعناه: كل شيء من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به الله، وعلى هذا الآيات الأخر، وعلى هذا قوله: يريدون وجهه [الكهف/28]، تريدون وجه الله [الروم/39]، وقوله: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد [الأعراف/29] فقد قيل: أراد به الجارحة، واستعارها كقولك: فعلت كذا بيدي، وقيل: أراد بالإقامة تحري الاستقامة، وبالوجه التوجه (قال القرطبي: أي: توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. تفسير القرطبي 7/188)، والمعنى: أخلصوا العبادة لله في الصلاة. وعلى هذا النحو قوله تعالى: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله [آل عمران/20]، وقوله: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى [لقمان/22]، ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله [النساء/125]، وقوله: فأقم وجهك للدين حنيفا [الروم/30] فالوجه في كل هذا كما تقدم، أو على الاستعارة للمذهب والطريق. وفلان وجه القوم، كقولهم: عينهم ورأسهم ونحو ذلك. وقال: وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الأعلى/19 - 20]، وقوله: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار [آل عمران/72] أي: صدر النهار. ويقال: واجهت فلانا: جعلت وجهي تلقاء وجهه، ويقال للقصد: وجه، وللمقصد جهة ووجهة، وهي حيثما نتوجه للشيء، قال: ولكل وجهة هو موليها [البقرة/148] إشارة إلى الشريعة، كقوله: شرعة [المائدة/48] وقال بعضهم: الجاه مقلوب عن الوجه لكن الوجه يقال في العضو والحظوة، والجاه لا يقال إلا في الحظوة. ووجهت الشيء: أرسلته في جهة واحدة فتوجه، وفلان وجيه: ذو جاه. قال تعالى: وجيها في الدنيا والآخرة [آل عمران/45] وأحمق ما يتوجه به: كناية عن الجهل بالتفرط، وأحمق ما يتوجه (قال ابن فارس: ويقولون: أحمق ما يتوجه. أي: ما يحسن أن يأتي الغائط. المجمل 3/917)، بفتح الياء وحذف به عنه، أي: لا يستقيم في أمر من الأمور لحمقه، والتوجيه في الشعر: الحرف الذي بين ألف التأسيس وحرف الروي (انظر: المجمل 3/917).