تفسير كلمة وَسَطاً من سورة البقرة آية رقم 143


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {143}

معتدلة فاضلة

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "وسط"

وسط الشيء: ما له طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وسطه صلب، وضربت وسط رأسه بفتح السين. ووسط بالسكون. يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين. نحو وسط القوم كذا. والوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان. يقال: هذا أوسطهم حسبا: إذا كان في واسطة قومه، وأرفعهم محلا، وكالجود الذي هو بين البخل والسرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنصفة، نحو: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة/143] وعلى ذلك قوله تعالى: قال أوسطهم [القلم/48] وتارة يقال فيما له طرف محمود، وطرف مذموم كالخير والشر، ويكنى به عن الرذل. نحو قولهم: فلان وسط من الرجال تنبيها أنه قد خرج من حد الخير. وقوله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [البقرة/ 238]، فمن قال: الظهر (وبه قال ابن عمر، فقد أخرج الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن ابن عمر أنه سئل عن الصلاة الوسطى؟ فقال: كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجه فيها رسول الله إلى القبلة: الظهر. الدر المنثور 1/719. وبه قال زيد بن ثابت كما أخرجه عنه مالك في الموطأ. الزرقاني على الموطأ 1/285) فاعتبارا بالنهار، ومن قال: المغرب (روى ذلك ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس وابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب. الزرقاني على الموطأ 1/286) ؛ فلكونها بين الركعتين وبين الأربع اللتين بني عليهما عدد الركعات، ومن قال: الصبح (أخرج مالك أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. وقال مالك وقول علي وابن عباس أحب ما سمعت إلي في ذلك. الزرقاني على الموطأ 1/285. وهذا القول محكي عن ابن عمر أيضا وعطاء وطاووس وعكرمة. انظر: الدر المنثور 1/917) فلكونها بين صلاة الليل والنهار. قال: ولهذا قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل الآية [الإسراء/78]. أي: صلاته. وتخصيصها بالذكر لكثرة الكسل عنه إذ قد يحتاج إلى القيام إليها من لذيذ النوم، ولهذا زيد في أذانه: (الصلاة خير من النوم) (قال الترمذي: فسر ابن مبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول صحيح، ويقال لها: التثوب أيضا، وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه، روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم. راجع: عارضة الأحوذي 1/215؛ وشرح الموطأ للزرقاني 1/144؛ ومعالم السنن 1/155)، ومن قال: صلاة العصر (وهو قول أكثر العلماء. وقاله من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية، وهو الصحيح عند الحنفية والحنابلة، وذهب إليه أكثر الشافعية. انظر: الزرقاني 1/286؛ وفتح الباري 8/194) فقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: (شغلونا عن صلاة الوسطى وصلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا). انظر: فتح الباري في التفسير 8/195؛ ومسلم في المساجد رقم 627) ؛ فلكون وقتها في أثناء الأشغال لعامة الناس بخلاف سائر الصلوات التي لها فراغ؛ إما قبلها؛ وإما بعدها، ولذلك توعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) (أخرجه الشيخان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله). انظر: فتح الباري في المواقيت 2/24؛ ومسلم في المساجد رقم 626؛ ومالك في الموطأ 1/11؛ وغيرهم).