تفسير كلمة وسيحبط وَسَيُحْبِطُ من سورة محمد آية رقم 32


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ {32}

يحبط اللهُ أعمالَهم: يضيعها هباء فلا يثيبهم عليها


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "حبط"

قال الله تعالى: حبطت أعمالهم [المائدة/53]، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [الأنعام/88]، وسيحبط أعمالهم [محمد/32]، وليحبطن عملك [الزمر/65]، وقال تعالى: فأحبط الله أعمالهم [الأحزاب/19]، وحبط العمل على أضرب: أحدها: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني في القيامة غناءا، كما أشار إليه بقوله: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [الفرقان/23]. والثاني: أن تكون أعمالا أخروية، لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، كما روي: (أنه يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: بم كان اشتغالك؟ قال: بقراءة القرآن، فيقال له: قد كنت تقرأ ليقال: هو قارئ، وقد قيل ذلك، فيؤمر به إلى النار) (الحديث ذكره المؤلف بمعناه، وهو عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: فلان جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار... ) الحديث أخرجه مسلم والنسائي، والترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه. انظر: الترغيب والترهيب 1/29؛ وعارضة الأحوذي 9/226؛ ومسند أحمد 2/321؛ وسنن النسائي 6/23؛ ومسلم في الإمارة، باب من قاتل للرياء برقم (1905) ؛ وانظر: شرح النسة 14/334). والثالث: أن تكون أعمالا صالحة، ولكن بإزائها سيئات توفي عليها، وذلك هو المشار إليه بخفة الميزان. وأصل الحبط من الحبط، وهو أن تكثر الدابة أكلا حتى ينتفخ بطنهان وقال عليه السلام: (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم) (الحديث في الصحيحين، راجع فتح الباري 11/244 باب ما يحذر من زهرة الدنيا؛ ومسلم رقم (1052). ورواية البخاري: (إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضرة). وسمي الحارث الحبط (قال في اللسان: والحبط: الحارث بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، سمي بذلك لأنه كان في سفر فأصابه مثل الحبط الذي يصيب الماشية فنسبوا إليه. انتهى. أقول: وفي شعر الفرزدق: بنو مسمع أكفاؤها آل دارم *** وتنكح في أكفائها الحبطات ولا يدرك الغايات إلا جيادها *** ولا تستطيع الجلة البكرات فرد عليه من الحبطات فقال: أما كان عباد كفيا لدارم *** بلى وأبيات بها الحجرات راجع: ديوان الفرزدق ص 99؛ وعيار الشعر ص 152؛ ووضح البرهان 2/121) ؛ لأنه أصابه ذلك، ثم سمي أولاده حبطات.


تصفح سورة محمد كاملة