تفسير كلمة يُبْصِرُونَ من سورة البقرة آية رقم 17


مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ {17}

لاَ يُبْصِرُونَ: لا يَرَوْنَ والمراد لا يهتدون

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بصر"

البصر يقال للجارحة الناظرة، نحو قوله تعالى: كلمح البصر [النحل/77]، و وإذ زاغت الأبصار [الأحزاب/10]، وللقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة: بصيرة وبصر، نحو قوله تعالى: فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد [ق/22]، وقال: ما زاغ البصر وما طغى [النجم/17]، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر، قال تعالى: فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم [الأحقاف/26]، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، ويقال من الأول: أبصرت، ومن الثاني: أبصرته وبصرت به (انظر: الأفعال 4/69)، وقلما يقال بصرت في الحاسة إذا لم تضامه رؤية القلب، وقال تعالى في الأبصار: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر [مريم/42]، وقال: ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة/12]، ولو كانوا لا يبصرون [يونس/43]، وأبصر فسوف يبصرون [الصافات/179]، بصرت بما لم يبصروا به [طه/96] ومنه: أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [يوسف/108] أي: على معرفة وتحقيق. وقوله: بل الإنسان على نفسه بصيرة [القيامة/14] أي: تبصره فتشهد له، وعليه من جوارحه بصيرة تبصره فتشهد له وعليه يوم القيامة، كما قال تعالى: تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم [النور/24]. والضرير يقال له: بصير على سبيل العكس، والأولى أن ذلك يقال لما له من قوة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له: مبصر وباصر، وقوله عز وجل: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام/103] حمله كثير من المفسرين على الجارحة، وقيل: ذلك إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: (التوحيد أن لا تتوهمه) (انظر تفسير الرازي 1/281) وقال: (كل ما أدركته فهو غيره). والباصرة عبارة عن الجارحة الناظرة، يقال: رأيته لمحا باصرا (في المثل: لأرينك لمحا باصرا، يضرب في التوعد. المستقصى 2/237)، أي: نظرا بتحديق، قال عز وجل: فلما جاءتهم آياتنا مبصرة [النمل/13]، وجعلنا آية النهار مبصرة [الإسراء/12] أي: مضيئة للأبصار وكذلك قوله عز وجل: وآتينا ثمود مبصرة [الإسراء/59]، وقيل: معناه صار أهله بصراء نحو قولهم: رجل مخبث (قال ابن منظور: والمخبث: الذي أصحابه وأعوانه خبثاء، وهو مثل قولهم: فلان ضعيف مضعف وقوي مقو) ومضعف، أي: أهله خبثاء وضعفاء، ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس [القصص/43] أي: جعلنا عبرة لهم، وقوله: وأبصر فسوف يبصرون [الصافات/179] أي: انظر حتى ترى ويرون، وقوله عز وجل: وكانوا مستبصرين [العنكبوت/38] أي: طالبين للبصيرة. ويصح أن يستعار الاستبصار للأبصار، نحو استعارة الاستجابة للإجابة، وقوله عز وجل: وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج *** تبصرة [ق/7 - 8] أي: تبصيرا وتبيانا. يقال: بصرته تبصيرا وتبصرة، كما يقال: قدمته وتقدمه، وذكرته تذكيرا وتذكرة، قال تعالى: ولا يسأل حميم حميما *** يبصرونهم [المعارج/10 - 11] أي: يجعلون بصراء بآثارهم، يقال: بصر الجرو: تعرض للإبصار لفتحه العين (وفي اللسان: وبصر الجرو تبصيرا: فتح عينه). والبصرة: حجارة رخوة تلمع كأنها تبصر، أو سميت بذلك لأن لها ضوءا تبصر به من بعد. ويقال له بصر، والبصيرة: قطعة من الدم تلمع، والترس اللامع، والبصر: الناحية، والبصيرة ما بين شقتي الثوب، والمزادة ونحوها التي يبصر منها، ثم يقال: بصرت الثوب والأديم: إذا خطت ذلك الموضع منه.