تفسير كلمة يَشْعُرُونَ من سورة البقرة آية رقم 12


أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ {12}

لا يَشْعُرُونَ: لا يَحِسُّونَ ولا يَعْلَمونَ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "شعر"

الشعر معروف، وجمعه أشعار قال الله تعالى: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها [النحل/80]، وشعرت: أصبت الشعر، ومنه استعير: شعرت كذا، أي علمت علما في الدقة كإصابة لشعر، وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته، فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام، والشاعر للمختص بصناعته، وقوله تعالى حكاية عن الكفار: بل افتراه بل هو شاعر [الأنبياء/ 5]، وقوله: لشاعر مجنون [الصافات/36]، شاعر نتربص به [الطور/ 30]، وكثير من المفسرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى، حتى تأولوا ما جاء في القرآن من كل لفظ يشبه الموزون من نحو: وجفان كالجواب وقدور راسيات [سبأ/13]، وقوله: تبت يدا أبي لهب [المسد/1]. وقال بعض المحصلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من الكلام أنه ليس على أساليب الشعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام (الغتمة: العجمة في المنطق، من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وتقول: بقيت بين ثلة أغتام، كأنهم ثلة أغنام. انظر: أساس البلاغة ص 320؛ وذكر هذا الكلام الراغب في مقدمة تفسيره ص 108) من العجم فضلا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب؛ فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر: الكاذب حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة الشعرية، ولهذا قال تعالى في وصف عامة الشعراء: والشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء/224]، إلى آخر السورة، ولكون الشعر مقر الكذب قيل: أحسن الشعر أكذبه. وقال بعض الحكماء: لم ير متدين صادق اللهجة مفلقا في شعره. والمشاعر: الحواس، وقوله: وأنتم لا تشعرون [الحجرات/2]، ونحو ذلك، معناه: لا تدركونه بالحواس، ولو في كثير مما جاء فيه لا يشعرون : لا يعقلون، لم يكن يجوز؛ إذ كان كثير مما لا يكون محسوسا قد يكون معقولا. ومشاعر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر، ويقال: شعائر الحج، الواحد: شعيرة، قال تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله [الحج/32]، وقال: فاذكروا الله عند المشعر الحرام [البقرة/198]، لا تحلوا شعائر الله [المائدة/2]، أي: ما يهدى إلى بيت الله، وسمي بذلك لأنها تشعر، أي: تعلم بأن تدمي بشعيرة، أي: حديدة يشعر بها. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد لمماسته الشعر، والشعار أيضا ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب، أي: يعلم. وأشعره الحب، نحو: ألبسه، والأشعر: الطويل الشعر، وما استدار بالحافر من الشعر، وداهية شعراء (انظر: المجمل 2/505؛ والجمهرة 2/342؛ وأساس البلاغة ص 236؛ والغريب المصنف)، كقولهم: داهية وبراء، والشعراء: ذباب الكلب لملازمته شعره، والشعير: الحب المعروف، والشعرى: نجم، وتخصيصه في قوله: وأنه هو رب الشعرى [النجم/49]، لكونها معبودة لقوم منهم.