تفسير كلمة يَعْتَدُونَ من سورة البقرة آية رقم 61


وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ {61}

يظلمون ويتجاوزون الحَدّ

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عدو"

العدو: التجاوز ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب، فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارة بالمشيء، فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له: العدوان والعدو. قال تعالى: فيسبوا الله عدوا بغير علم [الأنعام/108]، وتارة بأجزاء المقر، فيقال له: العدواء. يقال: مكان ذو عدواء (العدواء: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه. انظر: المجمل: 3/653)، أي: غير متلائم الأجزاء. فمن المعاداة يقال: رجل عدو، وقوم عدو. قال تعالى: بعضكم لبعض عدو [طه/123]، وقد يجمع على عدى وأعداء. قال تعالى: ويم يحشر أعداء الله [فصلت/19]، والعدو ضربان: أحدهما: بقصد من المعادي نحو: فإن كان من قوم عدو لكم [النساء/92]، جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين [الفرقان/31]، وفي أخرى: عدوا شياطين الإنس والجن [الأنعام/112]. والثاني: لا بقصده بل تعرض له حالة يتأذى بها كما يتأذى مما يكون من العدى، نحو قوله: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء/77]، وقوله في الأولاد: عدوا لكم فاحذروهم [التغابن/14]، ومن العدو يقال: - 312 - فعادى عداء بين ثور ونعجة (شطر بيت، وعجزه: دراكا ولم ينضج بماء فيغسل وهو لامرئ القيسس في ديوانه ص 120) أي: أعدى أحدهما إثر الآخر، وتعادت المواشي بعضها في إثر بعض، ورأيت عداء القوم الذين يعدون من الرجالة. والاعتداء: مجاوزة الحق. قال تعالى: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا [البقرة/231]، وقال: ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده [النساء/14]، اعتدوا منكم في السبت [البقرة/65]، فذلك بأخذهم الحيتان على جهة الاستحلال، قال: تلك حدود الله فلا تعتدوها [البقرة/229]، وقال: فأولئك هم العادون [المؤمنون/7]، فمن اعتدى بعد ذلك [البقرة/178]، بل أنتم قوم عادون [الشعراء/166]، أي: معتدون، أو معادون، أو متجاوزون الطور، من قولهم: عدا طوره، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [البقرة/190]. فهذا هو الاعتداء على سبيل الابتداء لا على سبيل المجازاة؛ لأنه قال: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة/194]، أي: قابلوه بحسب اعتدائه وتجاوزوا إليه بحسب تجاوزه. ومن العدوان المحظور ابتداء قوله: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان [المائدة/2]، ومن العدوان الذي هو على سبيل المجازاة، ويصح أن يتعاطى مع من ابتدأ قوله: فلا عدوان إلا على الظالمين [البقرة/193]، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا [النساء/30]، وقوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد [البقرة/ 173]، أي غير باغ لتناول لذة، ولا عاد أي متجاوز سد الجوعة. وقيل: غير باغ على الإمام ولا عاد في المعصية طريق المخبتين (وهذا قول مجاهد. وانظر: الدر المنثور 1/408). وقد عدا طوره: تجاوزه، وتعدى إلى غيره، ومنه: التعدي في الفعل. وتعدية الفعل في النحو هو تجاوز معنى الفعل من الفاعل إلى المفعول. وما عدا كذا يستعمل في الاستثناء، وقوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى [الأنفال/42]، أي: الجانب المتجاوز للقرب.