تفسير كلمة يُقْبَلُ من سورة البقرة آية رقم 123


وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ {123}

لا يُقْبَل: لا يُرْتَضَى

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "قبل"

قبل يستعمل في التقدم المتصل والمنفصل، ويضاده بعد، وقيل: يستعملان في التقدم المتصل، ويضادهما دبر ودبر. هذا في الأصل وإن كان قد يتجوز في كل واحد منهما. (فقبل) يستعمل على أوجه: الأول: في المكان بحسب الإضافة، فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة: بغداد قبل الكوفة، ويقول الخارج من مكة إلى أصبهان: الكوفة قبل بغداد. الثاني: في الزمان نحو: زمان عبد الملك قبل المنصور، قال: فلم تقتلون أنبياء من قبل [البقرة/91]. الثالث: في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجاج. الرابع: في الترتيب الصناعي. نحو تعلم الهجاء قبل تعلم الخط، وقوله: ما آمنت قبلهم من قرية [الأنبياء/6]، وقوله: قبل طلوع الشمس وقبل غروبها [طه/130]، قبل أن تقوم من مقامك [النمل/39]، أوتوا الكتاب من قبل [الحديد/16]، فكل إشارة إلى التقدم الزماني. والقبل والدبر يكنى بهما عن السوأتين، والإقبال: التوجه نحو القبل، كالاستقبال. قال تعالى: فأقبل بعضهم [الصافات/50]، وأقبلوا عليهم [يوسف/71]، فأقبلت امرأته [الذاريات/29]، والقابل: الذي يستقبل الدلو من البئر فيأخذه، والقابلة: التي تقبل الولد عند الولادة، وقبلت عذره وتوبته وغيره، وتقبلته كذلك. قال: ولا يقبل منها عدل [البقرة/123]، وقابل التوب [غافر/3]، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [الشورى/25]. والتقبل: قبول الشيء على وجه يقتضي ثوابا كالهدية ونحوها. قال تعالى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا [الأحقاف/16]، وقوله: إنما يتقبل الله من المتقين [المائدة/27]، تنبيه أن ليس كل عبادة متقبلة، بل إنما يتقبل إذا كان على وجه مخصوص. قال تعالى: إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني [آل عمران/35]. وقيل للكفالة: قبالة فإن الكفالة هي أوكد تقبل، وقوله: فتقبل مني [آل عمران /35]، فباعتبار معنى الكفالة، وسمي العهد المكتوبك قبالة، وقوله: فتقبلها [آل عمران/37]، قيل: معناه قبلها، وقيل: معناه تكفل بها، ويقول الله تعالى: كلفتني أعظم كفالة في الحقيقة وإنما قيل: فتقبلها ربها بقبول [آل عمران/37]، ولم يقل بتقبل للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة (انظر: البصائر 4/235). وقيل: القبول هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبه من رآه، وقوله: كل شيء قبلا [الأنعام/11] (هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وعاصم. انظر: الإتحاف ص 215) قيل: هو جمع قابل، ومعناه: مقابل لحواسهم، وكذلك قال مجاهد: جماعة جماعة (انظر: البصائر 4/235؛ والدر المنثور 3/341)، فيكون جمع قبيل، وكذلك قوله: أو يأتيهم العذاب قبلا [الكهف/55] ومن قرأ: قبلا (وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. انظر: الإتحاف ص 215) فمعناه: عيانا (قال شيخنا أحمد بن محمد حامد الحسين الشنقيطي: وجا قبل وفق اقتدار، وقد أتى * لردف عيان لكن القاف تكسر وفي النوع فاضمم قافه جامعا له * وذلك في الصاوي إذا كنت تنظر). والقبيل: جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض. قال تعالى: وجعلناكم شعوبا وقبائل [الحجرات/13]، والملائكة قبيلا [الإسراء/92]، أي: جماعة جماعة. وقيل: معناه كفيلا. من قولهم: قبلت فلانا وتقبلت به، أي: تكفلت به، وقيل مقابلة، أي معاينة، ويقال: فلان لا يعرف قبيلا من دبير (انظر: أساس البلاغة (دبر) ؛ واللسان (دبر) )، أي: ما أقبلت به المرأة من غزلها وما أدبرت به. والمقابلة والتقابل: أن يقبل بعضهم على بعض؛ إما بالذات؛ وإما بالعناية والتوفر والمودة. قال تعالى: متكئين عليها متقابلين [الواقعة/16]، إخوانا على سرر متقابلين [الحجر/ 47]، ولي قبل فلان كذا، كقولك عنده. قال تعالى: ةجاء فرعون ومن قبله (وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب. الإتحاف ص 422) [الحاقة/9]، فما للذين كفروا قبلك مهطعين [المعارج/36]، ويستعار ذلك للقوة والقدرة على المقابلة، أي: المجازاة، فيقال: لا قبل لي بكذا، أي: لايمكنني أن أقابله، قال: فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها [النمل/37]، أي: لا طاقة لهم على استقبالها ودفاعها، والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو: الجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسما للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة. نحو: فلنولينك قبلة ترضاها [البقرة/144]، والقبول: ريح الصبا، وتسميتها بذلك لاستقبالها القبلة، وقبيلة الرأس: موصل الشؤن. وشاة مقابلة: قطع من قبل أذنها، وقبال النعل زمامها، وقد قابلتها: جعلت لها قبالا، والقبل: الفحج (وهو تباعد ما بين الرجلين. انظر: المجمل 3/742)، والقبلة: خرزة يزعم الساحر أنه يقبل بالإنسان على وجه الآخر، ومنه: القبلة، وجمعها قبل، وقبلته تقبيلا.