تفسير كلمة يَكْذِبُونَ من سورة البقرة آية رقم 10


فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ {10}

يُخْبِرُونَ بخلافِ الواقع، فقد ادّعوا أنّهم مؤمنين كَذِباً

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كذب"

قد تقدم القوم في الكذب مع الصدق (راجع: مادة (صدق) )، وأنه يقال في المقال والفعال، قال تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون [النحل/ 105]، وقوله: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون/1] وقد تقدم أنه كذبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، ومقالهم كان صدقا، وقوله: ليس لوقعتها كاذبة [الواقعة/2] فقد نسب الكذب إلى نفس الفعل، كقولهم: فعلة صادقة، وفعلة كاذبة، قوله: ناصية كاذبة [العلق/16]، يقال: رجل كاذب وكذوب وكذبذب وكيذبان. كل ذلك للمبالغة، ويقال: لا مكذوبة، أي: لا أكذبك، وكذبتك حديثا، قال تعالى: الذين كذبوا الله ورسوله [التوبة/90]، ويتعدى إلى مفعولين نحو: صدق في قوله: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق [الفتح/27]. يقال: كذبه كذبا وكذابا، وأكذبته: وجذته كاذبا، وكذبته: نسبته إلى الكذب صادقا كان أو كاذبا، وما جاء في القرآن ففي تكذيب الصادق نحو: كذبوا بآياتنا [آل عمران/11]، رب انصرني بما كذبون [المؤمنون/ 26]، بل كذبوا بالحق [ق/5]، كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا [القمر/ 9]، كذبت ثمود وعاد بالقارعة [الحاقة/4]، وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح [الحج/42]، وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم [فاطر/25]، وقال: فإنهم لا يكذبونك [الأنعام/33] وقرئ بالتخفيف والتشديد (قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، والباقون بالتشديد. انظر: الإتحاف ص 207)، ومعناه: لا يجدونك كاذبا ولا يستطيعون أن يثبتوا كذبك، وقوله: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا [يوسف/110] أي: علموا أنهم تلقوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، ف (كذبوا) نحو: فسقوا وزنوا وخطئوا: إذا نسبوا إلى شيء من ذلك، وذلك قوله: فقد كذبت رسل من قبلك [فاطر/4] وقوله: فكذبوا رسلي [سبأ/45]، وقوله: إن كل إلا كذب الرسل [ص/14]، وقرئ: كذبوا (وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: الإتحاف ص 268) بالتخفيف. من قولهم: كذبتك حديثا. أي: ظن المرسل إليهم أن المرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، وإنما ظنوا ذلك من إمهال الله تعالى إياهم وإملائه لهم، وقوله: لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا [عم/35] الكذاب: التكذيب. والمعنى: لا يكذبون فيكذب بعضهم بعضا، ونفي التكذيب عن الجنة يقتضي نفي الكذب عنها، وقرئ: كذابا (وهي قراءة الكسائي. انظر: الإتحاف ص 431) من المكاذبة. أي: لا يتكاذبون تكاذب الناس في الدنيا، يقال: حمل فلان على قرنه فكذب (قال الزمخشري: ومن المجاز: حمل فلان ثم كذب: إذا جبن ونكل، ومعناه: كذب الظن به، أو جعل حملته كاذبة غير صادقة. انظر: أساس البلاغة (كذب). وقال شمر: يقال للرجل إذا حمل ثم ولى ولم يمض: قد كذب عن قرنه تكذيبا، والتكذيب في القتال ضد الصدق فيه. اللسان (كذب) )، كما يقال في ضده: صدق. وكذب لبن الناقة: إذا ظن أن يدوم مدة فلم يدم. وقولهم: (كذب عليك الحج) (قال أبو عبيدة: في حديث عمر: (كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد ثلاثة أسفار كذبن عليكم) انظر: غريب الحديث 3/248؛ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/172) قيل: معناه وجب فعليك به، وحقيقته أنه في حكم الغائب البطيء وقته، كقولك: قد فات الحج فبادر، أي: كاد يفوت. وكذب عليك العسل (الحديث: إن عمرو بن معد يكرب شكا إلى عمر بن الخطاب المعص، فقال: كذب عليك العسل. يريد: العسلان، وهو مشي الذئب. أي: عليك بسرعة المشي. والمعص: التواء في عصب الرجل: انظر: النهاية 4/158؛ والفائق 2/200؛ واللسان (كذب) ) بالنصب، أي: عليك بالعسل، وذلك إغراء، وقيل: العسل ههنا العسلان، وهو ضرب من العدو، والكذابة: ثوب ينقش بلون صبغ كأنه موشى، وذلك لأنه يكذب بحاله.