تفسير كلمة عَقَلُوهُ من سورة البقرة آية رقم 75


أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {75}

أدْرَكُوه على حقيقته

التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "عقل"

العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل، ولهذا قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: - 327 - رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع - 328 - ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع - 329 - كما لا ينفع الشمس * وضوء العين ممنوع (الأبيات في ديوانه ص 121؛ وأدب الدنيا والدين ص 15؛ وإحياء علوم الدين 1/86) وإلى الأول أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل) (الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: (إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي). قال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه 1/83؛ وحليه الأولياء 7/318؛ وكشف الخفاء 1/236) وإلى الثاني أشار بقوله: (ما كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى) (الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: (ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ردئ، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله) انتهى. قال العراقي: أخرجه ابن المحبر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء 1/83. قلت داود بن المحبر كذاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنفه موضوعات. مات سنة 206 هجري. انظر: تقريب التهذيب ص 200) وهذا العقل هو المعني بقوله: وما يعقلها إلا العالمون [العنكبوت/43]، وكل موضع ذم الله فيه الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأول، نحو: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق (الآية: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءا صم بكم... سورة البقرة: آية 171) إلى قوله: صم بكم عمي فهم لا يعقلون (الآية: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءا صم بكم... سورة البقرة: آية 171) ونحو ذلك من الآيات، وكل موضع رفع فيه التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول. وأصل العقل: الإمساك والاستمساك، كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه: كفه، ومنه قيل: للحصن: معقل، وجمعه معاقل. وباعتبار عقل البعير قيل: عقلت المقتول: أعطيت ديته، وقيل: أصله أن تعقل الإبل بفناء ولي الدم، وقيل: بل بعقل الدم أن يسفك، ثم سميت الدية بأي شيء كان عقلا، وسمي الملتزمون له عاقلة، وعقلت عنه: نبت عنه في إعطاء الدية، ودية معقلة على قومه: إذا صاروا بدونه، واعتقله بالشغزبية (الشغزبية: ضرب من العقل) : إذا صرعه، واعتقل رمحه بين ركابه وساقه، وقيل: العقال: صدقة عام؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه (لو منعوني عقالا لقاتلتهم) (وقال أبو بكر هذا لما ارتدت العرب ومنعت الزكاة. وانظر: فتح الباري 3/262) ولقولهم: أخذ النقد ولم يأخذ العقال (انظر: جمهرة اللغة 3/129)، وذلك كناية عن الإبل بما يشد به، أو بالصدر، فإنه يقال: عقلته عقلا وعقالا، كما يقال: كتبت كتابا، ويسمى المكتوب كتابا، كذلك يسمى المعقول عقالا، والعقيلة من النساء والدر وغيرهما: التي تعقل، أي: تحرس وتمنع، كقولهم: علق مضنة (قال ابن منظور: ويقال: هذا الشيء علق مضنة، أي: يضن به، وجمعه أعلاق. انظر: اللسان (علق) ) لما يتعلق به، والمعقل: جبل أو حصن يعتقل به، والعقال: داء يعرض في قوائم الخيل، والعقل: اصطكاك فيها.