تفسير كلمة كَلاَمَ من سورة البقرة آية رقم 75


أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {75}

كلام الله: ما أوحى به إلى رسله


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "كلم"

الكلم: التأثير المدرك بإحدى الحاستين، فالكلام: مدرك بحاسة السمع، والكلم: بحاسة البصر، وكلمته: جرحته جراحة بان تأثيرها، ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر: - 397 - والكلم الأصيل كأرغب الكلم * (هذا عجز بيت لطرفة بن العبد من أبيات له يهدد المسيب بن علس، والبيت بتمامه: بحسام سيفك أو لسانك وال * كلم والأصيل كأرغب الكلم وهو في ديوانه ص 87؛ والصناعتين ص 439؛ والمعاني الكبير 2/823) الكلم الأول جمع كلمة، والثاني جراحات، والأرغب: الأوسع، وقال آخر: - 398 - وجرح اللسان كجرح اليد * (هذا عجز بيت لامرئ القيس، وشطره: ولو عن نثا جاءني غيره وهو في ديوانه ص 53؛ ومنثور الفوائد ص 23؛ والخصائص 1/7؛ والصناعتين ص 439) فالكلام يقع على الألفاظ المنظومة، وعلى المعاني التي تحتها مجموعة، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسما كان، أو فعلا، أو أداة. وعند كثير من المتكلمين لا يقع إلى على الجملة المركبة المفيدة، وهو أخص من القول؛ فإن القول يقع عندهم على المفردات، والكلمة تقع عندهم على كل واحد من الأنواع الثلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك (قال ابن هشام الأنصاري: تطلق الكلمة في الاصطلاح على القول المفرد، والقول هو اللفظ الدال على معنى. انظر: شرح قطر الندى ص 11). قال تعالى: كبرت كلمة تخرج من أفواههم [الكهف/5]، وقوله: فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة/37] قيل: هي قوله: ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف/23]. وقال الحسن: هي قوله: (ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسكني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ أرأيت إن تبت أكنت معيدي إلى الجنة؟ قال: نعم) (عن ابن عباس في الآية قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب، ألم تسبق إلي رحمتك قبل غضبك؟ قال: نعم. قال: أي رب، أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة. قال: نعم. انظر: الدر المنثور 1/143). وقيل: هي الأمانة المعروضة على السموات والأرض والجبال في قوله: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال الآية [الأحزاب/72]، وقوله: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة/124] قيل: هي الأشياء التي امتحن الله إبراهيم بها من ذبح ولده، والختان وغيرهما (عن ابن عباس قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء. انظر: الدر المنثور 1/273). وقوله لزكريا: إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله [آل عمران/39] قيل: هي كلمة التوحيد. وقيل: كتاب الله. وقيل: يعني به عيسى، وتسمية عيسى بكلمة في هذه الآية، وفي قوله: وكلمته ألقاها إلى مريم [النساء/171] لكونه موجدا بكن المذكور في قوله: إن مثل عيسى [آل عمران/59] وقيل: لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله تعالى، وقيل: سمي به لما خصه الله تعالى به في صغره حيث قال وهو في مهده: إني عبد الله آتاني الكتاب الآية [مريم/30]، وقيل: سمي كلمة الله تعالى من حيث إنه صار نبيا كما سمي النبي صلى الله عليه وسلم ذكرا * رسولا [الطلاق/10 - 11] (الآية: قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا يتلو ). وقوله: وتمت كلمة ربك الآية [الأنعام/115]. فالكلمة ههنا القضية، فكل قضية تسمى كلمة سواء كان ذلك مقالا أو فعالا، ووصفها بالصدق؛ لأنه يقال: قول صدق، وفعل صدق، وقوله: وتمت كلمة ربك [الأنعام/115] إشارة إلى نحو قوله: اليوم أكملت لكم دينكم الآية [المائدة/ 3]، ونبه بذلك أنه لا تنسخ الشريعة بعد هذا، وقيل: إشارة إلى ما قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما خلق الله تعالى القلم فقال له: أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة) (عن عبادة بن الصامت قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ما خلق الله تبارك وتعالى القلم، ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: فاكتب ما يكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة (أخرجه أحمد في المسند 5/317، وفي إسناده ابن لهيعة، والترمذي وقال: حسن غريب (انظر: عارضة الأحوذي 12/217)، والحاكم 2/454 برواية أخرى، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي. قال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: قد ورد - أي هذا الحديث - بل صح من طرق). وقيل: الكلمة هي القرآن، وتسميته بكلمة كتسميتهم القصيدة كلمة، فذكر أنها تتم وتبقى بحفظ الله تعالى إياها، فعبر عن ذلك بلفظ الماضي تنبيها أن ذلك في حكم الكائن، وإلى هذا المعنى من حفظ القرآن أشار بقوله: فإن يكفر بها هؤلاء الآية [الأنعام/89]، وقيل: عنى به ما وعد من الثواب والعقاب، وعلى ذلك قوله تعالى: بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [الزمر/71]، وقوله: وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا الآية [يونس/33]، وقيل: عنى بالكلمات الآيات المعجزات التي اقترحوها، فنبه أن ما أرسل من الآيات تام وفيه بلاغ، وقوله: لا مبدل لكلماته [الأنعام/115] رد لقولهم: أئت بقرآن غير هذا الآية [يونس/15]، وقيل: أراد بكلمة ربك: أحكامه التي حكم بها وبين أنه شرع لعباده ما فيه بلاغ، وقوله: وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [الأعراف/137] وهذه الكلمة فيما قيل هي قوله تعالى: ونريد أن نمن على الذين الآية [القصص/5]، وقوله: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما [طه/129]، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم [الشورى/14] فإشارة إلى ما سبق من حكمه الذي اقتضاه حكمته، وأنه لا تبديل لكلماته، وقوله تعالى: ويحق الله الحق بكلماته [يونس/82] أي: بحججه التي جعلها الله تعالى لكم عليكم سلطانا مبينا، أي: حجة قوية. وقوله: يريدون أن يبدلوا كلام الله [الفتح/15] هو إشارة إلى ما قال: قل لن تخرجوا معي الآية [التوبة/83]، وذلك أن الله تعالى جعل قول هؤلاء المنافقين: ذرونا نتبعكم [الفتح/15] (الآية: ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله ) تبديلا لكلام الله تعالى، فنبه أن هؤلاء لا يفعلون وكيف يفعلون - وقد علم الله تعالى منهم أن لا يتأتى ذلك منهم - ؟ وقد سبق بذلك حكمه. ومكالمة الله تعالى العبد على ضربين: أحدهما: في الدنيا. والثاني: في الآخرة. فما في الدنيا فعلى ما نبه عليه بقوله: ما كان لبشر أن يكلمه الله الآية [الشورى/51]، وما في الآخرة ثواب للمؤمنين وكرامة لهم تخفى علينا كيفيته، ونبه أنه يحرم ذلك على الكافرين بقوله: إن الذين يشترون بعهد الله [آل عمران/77]. وقوله: يحرفون الكلم عن مواضعه [النساء/46] جمع الكلمة، وقيل: إنهم كانوا يبدلون الألفاظ ويغيرونها، وقيل: إنه كان من جهة المعنى، وهو حمله علىغير ما قصد به واقتضاه، وهذا أمثل القولين؛ فإن اللفظ إذا تداولته الألسنة واشتهر يصعب تبديله، وقوله: وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية [البقرة/118] أي: لولا يكلمنا الله مواجهة، وذلك نحو قوله: يسألك أهل الكتاب إلى قوله: أرنا الله جهرة [النساء/153] (الآية: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ).


تصفح سورة البقرة كاملة