تفسير كلمة وَالْحِكْمَةَ من سورة البقرة آية رقم 129


رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ {129}

الحِكْمَةُ: السُّنَّةُ أوْ حُسْنُ التَّصَرُّفِ والصَّوابُ في القَوْلِ والفِعْلِ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "حكم"

حكم أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللجام: حكمة الدابة، فقيل: حكمته وحكمت الدابة: منعتها بالحكمة، وأحكمتها: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته، قال الشاعر: - 120 - أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** (الشطر لجرير، وهو في ديوانه ص 47؛ والمجمل 1/246؛ وأساس البلاغة ص 91. وعجزه: إني أخاف عليكم أن أغضبا) وقوله: أحسن كل شيء خلقه [السجدة/7]، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم [الحج/52]، والحكم بالشيء: أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه، قال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [النساء/58]، ويحكم به ذوا عدل منكم [المائدة/95]، وقال: - 121 - فاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت *** إلى حمام سراع وارد الثمد (البيت للنابغة الذبياني من معلقته، وهو في ديوانه ص 34؛ وشرح المعلقات للنحاس 2/168؛ والبصائر 2/491؛ واللسان (حكم) ) والثمد: الماء القليل، وقيل معناه: كن حكيما. وقال عز وجل: أفحكم الجاهلية يبغون [المائدة/50]، وقال تعالى: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة/50]، ويقال: حاكم وحكام لمن يحكم بين الناس، قال الله تعالى: وتدلوا بها إلى الحكام [البقرة/188]، والحكم: المتخصص بذلك، فهو أبلغ. قال الله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما [الأنعام/114]، وقال عز وجل: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها [النساء/35]، وإنما قال: حكما ولم يقل: حاكما؛ تنبيها أن من شرط الحكمين أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك، ويقال الحكم للواحد والجمع، وتحاكمنا إلى الحاكم. قال تعالى: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [النساء/60]، وحكمت فلانا، قال تعالى: حتى يحكموك فيما شجر بينهم [النساء/65]، فإذا قيل: حكم بالباطل، فمعناه: أجرى الباطل مجرى الحكم. والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات وفعل الخيرات. وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل: ولقد آتينا لقمان الحكمة [لقمان/12]، ونبه على جملتها بما وصفه بها، فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم (راجع: الأسماء والصفات ص 38)، فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: أليس الله بأحكم الحاكمين [التين/8]، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة، نحو: آلر تلك آيات الكتاب الحكيم [يونس/1]، وعلى ذلك قال: ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر *** حكمة بالغة [القمر/4 - 5]، وقيل: معنى الحكيم المحكم (انظر المدخل لعلم التفسير ص 273، نحو: أحكمت آياته [هود/1]، وكلاهما صحيح، فإنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعم من الحكمة، فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فإن الحكم أن يقضي بشيء على شيء، فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، قال صلى الله عليه وسلم: (إن من الشعر لحكمة) (الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشعر والأدب 10/445؛ وأبو داود، وروايته: (إن من الشعر لحكما). انظر: معالم السنن 4/136؛ ومجمع الفوائد 2/260؛ وشرح السنة 12/369) أي: قضية صادقة (هذا اصطلاح أهل المنطق، والقضية مرادقة للخبر، وتعريفها: مركب احتمل الصدق والكذب لذاته. قال الأخضري في السلم: ما احتمل الصدق لذاته جرى *** بينهم قضية وخبرا راجع: شرح السلم ص 9)، وذلك نحو قول لبيد: - 122 - إن تقوى ربنا خير نفل *** (وعجزه: وبإذن الله ريثي وعجل انظر: ديوانه ص 139) قال الله تعالى: وآتيناه الحكم صبيا [مريم/12]، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصمت حكم وقليل فاعله) (أخجره البيهقي في (الشعب) عن أنس مرفوعا بسند ضعيف؛ والقضاعي عن أنس؛ والديلمي في الفردوس عن ابن عمر؛ وصحح أنه موقوف من قول لقمان، وكذا أخرجه ابن حبان في (روضة العقلاء) بسند صحيح ص 41. وقال السيوطي: أخرج العسكري في (الأمثال) والحاكم والبيهقي في (الشعب) عن أنس أن لقمان كان عبدا لداود عليه السلام، وهو يسرد الدرع، فجعل يفتله هكذا بيده، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله، وتمنعه حكمته أن يسأله، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت من الحكمة وقليل فاعله، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني. راجع: الدر المنثور 6/513؛ وكشف الخفاء 2/32؛ والفتح الكبير 2/202) أي: حكمة، ويعلمهم الكتاب والحكمة [آل عمران/164]، وقال تعالى: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب/34]، قيل: تفسير القرآن، ويعني ما نبه عليه القرآن من ذلك: إن الله يحكم ما يريد [المائدة/1]، أي: ما يريده يجعله حكمة، وذلك حث للعباد على الرضى بما يقضيه. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: من آيات الله والحكمة [الأحزاب/34]، هي علم القرآن، ناسخه، محكمه ومتشابهه. وقال ابن زيد (عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مات سنة 182 ه. انظر: طبقات المفسرين للداوودي 1/271) : هي علم آياته وحكمه. وقال السدي (إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، أبو محمد الأعور. انظر: طبقات المفسرين 1/110) : هي النبوة، وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعا لهم في ذلك. وقوله عز وجل: ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا [المائدة/44]، فمن الحكمة المختصة بالأنبياء أو من الحكم قوله عز وجل: آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [آل عمران/7]، فالمحكم: ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى. والمتشابه على أضرب تذكر في بابه إن شاء الله (انظر: باب (شبه) ). وفي الحديث: (إن الجنة للمحكمين) (الحديث في النهاية 1/419؛ والفائق 1/303) قيل: هم قوم خيروا بين أن يقتلوا مسلمين وبين أن يرتدوا فاختاروا القتل (أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/265 عن مجاهد). وقيل: عنى المتخصصين بالحكمة.


تصفح سورة البقرة كاملة