تفسير كلمة لِتُبَشِّرَ من سورة مريم آية رقم 97


فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً {97}

تُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ: تَعِدَهُمْ بِثَوابِ اللهِ


التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "بشر"

البشرة: ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، كذا قال عامة الأدباء، وقال أبو زيد بعكس ذلك (ذكر قوله الأزهري في تهذيبه 11/360، والذي غلطه ثعلب)، وغلطه أبو العباس وغيره، وجمعها: بشر وأبشار، وعبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف أو الشعر أو الوبر، واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع، وثني فقال تعالى: أنؤمن لبشرين [المؤمنون/47]. وخص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر، نحو: الذي خلق من الماء بشرا [الفرقان/54]، وقال عز وجل: إني خالق بشرا من طين [ص/71]، ولما أراد الكفار الغض من الأنبياء اعتبروا ذلك فقالوا: إن هذا إلا قول البشر [المدثر/25]، وقال تعالى: أبشرا منا واحدا نتبعه [القمر/24]، ما أنتم إلا بشر مثلنا [يس/15]، أنؤمن لبشرين مثلنا [المؤمنون/47]، قالوا أبشر يهدونا [التغابن/6]، وعلى هذا قال: إنما بشر مثلكم [الكهف/110]، تنبيها أن الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون بما يختصون به من المعارف الجليلة والأعمال الجميلة، ولذلك قال بعده: يوحي إلى [الكهف/110]، تنبيها أني بذلك تميزت عنكم. وقال تعالى: لم يمسسني بشر [مريم/20] فخص لفظ البشر، وقوله: فتمثل لها بشرا سويا [مريم/17] فعبارة عن الملائكة، ونبه انه تشبح لها وتراءى لها بصورة بشر، وقوله تعالى: ما هذا بشرا [يوسف/31] فإعظام له وإجلال وأنه أشرف وأكرم من أن يكون جوهره البشر. وبشرت الأديم: أصبت بشرته، نحو: أنفته ورجلته، ومنه: بشر الجراد الأرض إذا أكلته، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكني بها عن الجماع في قوله: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد [البقرة/187]، وقال تعالى: فالآن باشروهن [البقرة/187]. وفلان مؤدم مبشر (قال ابن منظور: وفي الصحاح: فلان مؤدم مبشر: إذا كان كاملا من الرجال)، أصله من قولهم: أبشره الله وآدمه، أي: جعل له بشرة وأدمة محمودة، ثم عبر بذلك عن الكامل الذي يجمع بين الفضيلتين الظاهرة والباطنة. وقيل معناه: جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وأبشرت الرجل وبشرته وبشرته: أخبرته بسار بسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته عام، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشرته على التكثير، وأبشر يكون لازما ومتعديا، يقال: بشرته فأبشر، أي: استبشر، وأبشرته، وقرئ: يبشرك [آل عمران/39] و يبشرك (وهي قراءة حمزة والكسائي بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين) و (يبشرك) (وهي قراءة شاذة؛ وانظر الحجة للقراء السبعة 3/42) قال الله عز وجل: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال: أبشرتموني على أن منسي الكبر فيم تبشرون قالوا: بشرنا بالحق [الحجر/53 - 54]. واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح، قال تعالى: ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم [آل عمران/170]، يستبشرون بنعمة من الله وفضل [آل عمران/171]، وقال تعالى: وجاء أهل المدينة يستبشرون [الحج/67]. ويقال للخبر السار: البشارة والبشرى، قال تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة [يونس/64]، وقال تعالى: لا بشرى يومئذ للمجرمين [الفرقان/22]، ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى [هود/69]، يا بشرى هذا غلام [يوسف/19]، وما جعله الله إلا بشرى [الأنفال/10]. والبشير: المبشر، قال تعالى: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا [يوسف/96]، فبشر عباد [الزمر/17]، ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [الروم/46]، أي: تبشر بالمطر. وقال صلى الله عليه وسلم: (انقطع الوحي ولم يبق إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له) (الحديث صحيح أخرجه البخاري 2/331؛ ومسلم (479) وفيه (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات) ؛ وأخرجه ابن ماجه 1/1283؛ وانظر: شرح السنة 12/204) وقال تعالى: فبشره بمغفرة [يس/11]، وقال: فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران/21]، بشر المنافقين بأن لهم [النساء/138]، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم [التوبة/3] فاستعارة ذلك تنبيه أن أسر ما يسمعونه الخبر بما ينالهم من العذاب، وذلك نحو قول الشاعر: - 54 - تحية بينهم ضرب وجيع (هذا عجز بيت لعمرو بن معد يكرب، وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل وهو في البصائر 2/201؛ وخزانة الأدب 9/252؛ وديوانه ص 149؛ والممتع ص 260؛ والخصائص 1/368) ويصح أن يكون على ذلك قوله تعالى: قل: تمتعوا فإن مصيركم إلى النار [إبراهيم/30]، وقال عز وجل: وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم [الزخرف/17]. ويقال: أبشر، أي: وجد بشارة، نحو: أبقل وأمحل، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت/30]، وأبشرت الأرض: حسن طلوع نبتها، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: (من أحب القرآن فليبشر) (أخرجه ابن أبي شيبة 6/133 وانظره: في الغريبين 1/180؛ واللسان (بشر) ؛ والنهاية 1/129) أي: فليسر. قال الفراء إذا ثقل فمن البشرى، وإذا خففت فمن السرور يقال: بشرته فبشر، نحو: جبرته فجبر، وقال سيبويه (الكتاب 2/235) : فأبشر، قال ابن قتيبة (في غريب الحديث 2/234) : هو من بشرت الأديم، إذا رققت وجهه، قال: ومعناه فليضمر نفسه، كما روي: (إن وراءنا عقبة لا يقطعها إلا الضمر من الرجال) (راجع: اللسان (بشر) 4/60. الحديث أخرجه ابن مردويه والطبراني عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمامكم عقبة كؤدا لا يجوزها المثقلون، فأنا أريد أتخفف لتلك العقبة) وإسناده صحيح. راجع: الدر المنثور 8/523؛ والرغيب والترهيب 4/85. وأسباب ورود الحديث 2/42 وأخرجه البزار بلفظ: (إن بين أيديكم عقبة)، وعلى الأول قول الشاعر: - 55 - فأعنهم وابشر بما بشروا به *** وإذا هم نزلوا بضنك فانزل (البيت لعبد قيس بن خفاف وهو شاعر جاهلي كان يعاصر حاتم طيئ. والبيت في المفضليات ص 384؛ والأصمعيات ص 230؛ واللسان (بشر)، وتهذيب إصلاح المنطق 1/89؛ ومعاني الفراء 1/212) وتباشير الوجه وبشره: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله. وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمى ما يعطي المبشر: بشرى وبشارة.


تصفح سورة مريم كاملة